سمير العلايلي يكتب: بروح أكتوبر.. عبور جديد من المعمل إلى السوق

في أكتوبر من كل عام، نستعيد بفخر صور العبور، وشجاعة الجنود، وتضحيات من أعادوا إلى مصر أرضها وثقتها بنفسها. وكلما تأملت هذه الذكرى، توقفت أيضًا أمام العقول التي بحثت وجرّبت ووجدت حلولًا لمشكلات بدت شديدة الصعوبة. فقد كان وراء النصر علم وهندسة وخيال، ومؤسسات استمعت إلى الفكرة وأعطتها فرصة لتثبت نفسها.
وأتساءل اليوم: كيف نستعيد هذه الروح في مواجهة مشكلاتنا الاقتصادية والإنتاجية؟ وكيف نجمع الباحث الذي يملك المعرفة، ورائد الأعمال الذي يرى الفرصة، والشركة التي تستطيع تمويل التجربة واستخدام نتائجها؟
أطرح هذا السؤال من واقع لقاءاتي مع شباب يؤسسون شركات ناشئة. وقد رأينا تجارب مصرية ناجحة في التكنولوجيا المالية، اقتربت من احتياجات الناس، وسهّلت الدفع والتحصيل والوصول إلى خدمات كانوا يجدون صعوبة في الحصول عليها. لقد نجحت لأنها فهمت مشكلة حقيقية، وقدمت حلًا يستطيع العميل استخدامه.
لكنني ألاحظ في بعض المشروعات التي تُعرض عليّ مؤخرًا قدرًا من التكرار؛ أفكارًا متشابهة تتنافس على المساحة نفسها، مع تغيير الاسم والألوان وطريقة العرض. وأحيانًا أشعر أننا نحتاج إلى تطبيق يساعدنا على التفرقة بين التطبيقات!
وبالطبع، هذا انطباع من المشروعات التي أقابلها، وليس حكمًا على كل شباب مصر. فقد رأيت محاولات مبتكرة في الزراعة والخدمات اللوجستية وغيرها، نشأت من الخبرة العملية وملاحظة السوق. وهذه بداية تستحق التشجيع. لكنني أعتقد أن أمامنا مصدرًا أوسع للأفكار الجديدة: ما تنتجه جامعاتنا ومراكزنا البحثية من معرفة وتجارب.
ففي مصر مشكلات كثيرة تستحق الحل، وكل مشكلة قد تحمل داخلها فرصة لشركة جديدة. كيف نقلل فاقد المحاصيل؟ وكيف نطور بذورًا تناسب ظروفنا؟ وكيف ننتج الطاقة النظيفة ونخزنها بتكلفة مناسبة؟ وكيف نعيد استخدام المخلفات، أو نستخلص الطاقة من بعضها حين يكون ذلك مجديًا وآمنًا؟ وكيف نطور المنسوجات، ونحسن عمليات تصنيع الدواء وجودته؟
هذه أسئلة تحتاج إلى معرفة علمية وتجارب وقياس، وإلى أشخاص يستطيعون تحويل النتائج إلى منتجات وخدمات يستخدمها الناس.
وقد صادفت ثلاث أفكار تستهدف حل مشكلات مصرية، وتستند إلى عمل بحثي. ما شجعني فيها هو اتصال العلم باحتياج موجود بالفعل. وما لفت نظري أيضًا أن طريقها إلى التطبيق يحتاج إلى حاضنة جامعية، وإتاحة منتظمة للباحثين والمعامل، وشريك من الشركات المصرية يمول التجربة ويمنحها فرصة للاختبار.
وهنا أرى أن جامعاتنا تستطيع أن تفتح أبوابها بصورة أوسع لرواد الأعمال، بمن فيهم من تخرجوا منذ سنوات أو لم يدرسوا فيها أصلًا. فالفكرة لا ينبغي أن تتوقف عند بوابة الجامعة لأن صاحبها لا يحمل كارنيهًا!
رائد الأعمال والباحث لهما، في كثير من الأحيان، طريقتان مختلفتان في التفكير والعمل. الباحث يسأل: هل النتيجة صحيحة؟ وهل يمكن تكرارها؟ ورائد الأعمال يسأل: من يحتاج إلى هذا الحل؟ وكم سيدفع مقابله؟ وكيف نوصله إليه؟
ونحن نحتاج إلى السؤالين معًا.
قد يجمع شخص واحد بين القدرتين، لكن لا يصح أن نشترط على كل باحث متميز أن يصبح مديرًا لشركة وخبيرًا في التسويق والتحصيل. ولا أن ننتظر من كل رائد أعمال أن يؤسس معملًا ويعيد اكتشاف ما توصل إليه الباحثون بالفعل.
المطلوب أن نساعدهما على العمل معًا، مع احترام وقت كل طرف وخبرته وحقوقه.
ولنا في تجربة أكسفورد ما يستحق التأمل. فهناك جهة تساعد على حماية الملكية الفكرية وترخيصها وتأسيس الشركات، وإلى جانبها شركة استثمار مستقلة مرتبطة بشراكة مع الجامعة، هي «أكسفورد ساينس إنتربرايزز»، تساعد في تمويل المشروعات وبنائها، وتربط العلماء بخبرات إدارية وتجارية. الفكرة التي تستحق التعلم هنا هي تكامل الأدوار حول البحث حتى يجد طريقه إلى التطبيق. (innovation.ox.ac.uk, ox.ac.uk, oxfordscienceenterprises.com)
وأعرف أن الجامعات المصرية تعمل في ظل ضغوط كبيرة على مواردها، وأن المعامل والتجارب تحتاج إلى تمويل. لذلك لا أتوقع أن تتحمل الجامعة وحدها فاتورة هذه الرحلة. هنا يأتي دور الشركات المصرية، بما لديها من معرفة بالمشكلات، وقدرة على الاختبار، ومصلحة مباشرة في نجاح الحلول.
أتمنى أن تذهب شركة زراعية إلى جامعة وتقول: هذه مشكلة نواجهها، وهذه ميزانية لتجربة حلول لها. وأن تتيح شركة صناعية جزءًا من خط إنتاجها لاختبار مادة جديدة. وأن تساعد شركة لوجستية فريقًا بحثيًا على فهم مواضع التأخير والتلف والتكلفة في عملياتها.
وفي المقابل، على رائد الأعمال أن يذهب إلى الشركة بما هو أكثر من عرض جميل. عليه أن يشرح المشكلة، وما الذي أثبته البحث حتى الآن، وما الذي ما زال يحتاج إلى اختبار، والوقت والتكلفة اللازمين، والقيمة التي قد تتحقق إذا نجحت التجربة.
وقد تكون الشركة ممولًا للبحث، أو مستثمرًا في المشروع الناشئ، أو أول عميل له. وأحيانًا تكون فرصة إجراء تجربة حقيقية داخل مصنع أهم من جائزة تُسلَّم على المسرح ثم يعود صاحبها إلى بيته دون أن يجد مكانًا يختبر فيه فكرته.
ومن الممكن أن نبدأ بخطوات محدودة وواضحة: جامعة تختار مجالًا تتميز فيه، وعدة شركات تعرض مشكلات محددة، وفرق تجمع باحثين ورواد أعمال، وتمويل صغير على مراحل. نبدأ بإثبات الفكرة، ثم نموذج أولي، ثم تجربة ميدانية، ثم نقرر التوسع على أساس النتائج.
ومن البداية، يجب أن نعرف من يملك البحث، وكيف يُستخدم، وما حقوق الباحث والجامعة والمستثمر. الاتفاق الواضح يحمي العلاقة، ويمنح الجميع حافزًا للنجاح، ويوفر وقتًا ثمينًا كان يمكن أن يضيع في خلافات بعد ظهور أول نتيجة جيدة.
والحاضنة التي نحتاجها هي المكان الذي تتوافر فيه هذه الصلات والخدمات. قيمتها في المعمل المتاح، والباحث المتعاون، والمستشار صاحب الخبرة، والعميل المستعد للتجربة. أما الأثاث الملون وماكينة القهوة فلهما مكانهما أيضًا، لكنهما لا يستطيعان وحدهما تطوير بطارية!
وبالتوازي، علينا أن نشجع الإبداع داخل التعليم نفسه. أن نعطي الطالب فرصة للسؤال، واقتراح أكثر من حل، والعمل مع زملاء من تخصصات مختلفة، وتجربة فكرة ثم تعديلها. وأن نقدّر ما تعلمه من تجربة لم تنجح، ما دام قد أدارها بجدية وأمانة. فالثقة في القدرة على الابتكار تنمو بالممارسة، وبوجود من يستمع ويشجع ويطلب الدليل.
وفي شهر أكتوبر، لدينا ما يذكرنا بأن هذه القدرة جزء من خبرتنا الوطنية.
نتذكر المهندس باقي زكي يوسف، الذي استلهم من خبرته في العمل بالسد العالي فكرة استخدام مضخات المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف. كانت معرفة اكتسبها في مكان، ثم أحسن استخدامها لحل مشكلة مختلفة في مكان آخر؛ مثالًا رائعًا على قيمة الخبرة والخيال والتجربة.
ونتذكر كذلك جهود الدكتور محمود يوسف سعادة وفريقه بالمركز القومي للبحوث في إنتاج وقود لصواريخ الدفاع الجوي قبل الحرب، كما رواها أعضاء الفريق. عمل بحثي ارتبط باحتياج وطني عاجل، وأسهم في دعم القدرة على حماية سمائنا.
هذه الصفحات تمنحنا فخرًا مستحقًا، وتضع أمامنا مسؤولية جميلة: أن نتيح لأجيال اليوم فرصة استخدام علمها وخيالها في خدمة بلدها.
فمصر تحتاج الآن إلى حلول توفر الماء والطاقة، وتطور الزراعة والصناعة، وتحسن الصحة، وتخلق فرص عمل. ولدينا شباب يريد أن ينجح، وباحثون يملكون معرفة، وشركات تستطيع أن تستفيد وتشارك. ما نحتاج إليه هو أن نجمعهم حول مشكلة واضحة، ونمنحهم الأدوات والوقت والثقة.
وأنا متفائل؛ لأنني رأيت أفكارًا تستحق، وعقولًا تستطيع، ورغبة حقيقية في أن يكون للجهد أثر.
لقد علمنا أكتوبر أن العقبات الكبيرة يمكن تجاوزها حين تجتمع المعرفة والإرادة والعمل. فلنحمل هذه الروح إلى جامعاتنا ومصانعنا وشركاتنا الناشئة.
ولعل عبورنا القادم يبدأ بباب معمل يُفتح، وباحث يقول: «لدينا نتيجة واعدة»، ورائد أعمال يرد: «أعرف من يحتاج إليها»، وشركة مصرية تقول: «تعالوا نجرب معًا».





