شركات التمويل في مصر.. من يقود سوقا تجاوزت تمويلاته 71 مليار جنيه في 6 أشهر؟

لم تعد شركات التمويل في مصر مجرد بديل محدود للحصول على قرض بنكي، وإنما أصبحت جزءا رئيسيا من منظومة التمويل غير المصرفي، مع توسعها في تمويل السيارات والسلع المعمرة والتعليم والرعاية الصحية والتشطيبات والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
وتكشف أحدث المؤشرات عن سوق سريع النمو؛ إذ بلغت قيمة التمويلات الاستهلاكية الممنوحة خلال النصف الأول من 2026 نحو 71.84 مليار جنيه، مقابل 38.11 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة 88.5%، بينما ارتفع عدد العملاء إلى نحو 8.47 مليون عميل، مقابل 4.82 مليون عميل، بنمو 75.7%.
وبالنظر إلى السوق بصورة أوسع، بلغ حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه بنهاية 2025، مع أكثر من 9.8 مليون عقد تمويلي، بينما بلغت قيمة التمويلات الاستهلاكية خلال العام 96.3 مليار جنيه، والتأجير التمويلي 179.2 مليار جنيه، والتمويل العقاري 42.7 مليار جنيه، وفقا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية.
كونتكت.. نموذج التمويل متعدد الأنشطة
تأتي كونتكت المالية القابضة ضمن أبرز الأسماء في سوق التمويل غير المصرفي المصري، مستفيدة من تنوع أنشطتها بين التمويل الاستهلاكي والتأجير التمويلي والتخصيم والتأمين وغيرها من الخدمات المالية.
ووفقا لأحدث مؤشرات النصف الأول من 2026، بلغت إجمالي المحفظة التمويلية للمجموعة نحو 18.9 مليار جنيه، بينما سجلت التمويلات الجديدة 5.9 مليار جنيه، وبلغ إجمالي الدخل التشغيلي 1.3 مليار جنيه، وصافي الربح 95 مليون جنيه.
وتمنح هذه التركيبة الشركة ميزة مهمة في سوق التمويل، حيث لا تعتمد على منتج واحد، وإنما تتحرك عبر مجموعة من الأنشطة المالية غير المصرفية.
كما تمثل خبرة الشركة الممتدة منذ 2001 أحد عوامل حضورها في السوق، خاصة مع توسعها في الحلول الرقمية والشراكات مع التجار ومقدمي الخدمات.
فاليو.. التمويل عبر التكنولوجيا
تمثل “فاليو” أحد أبرز النماذج التي تربط التمويل الاستهلاكي بالتكنولوجيا المالية، إذ تعتمد على تطبيق رقمي وشبكة واسعة من التجار ومقدمي الخدمات.
وتتيح الشركة التمويل لمجموعة متنوعة من السلع والخدمات، بينما أصبح اسمها حاضرا ضمن شركات التمويل الاستهلاكي التي يمكن لعملائها سداد الأقساط من خلالها عبر “إنستاباي”.
وفي فبراير 2026، وصل عدد شركات التمويل الاستهلاكي المنضمة إلى خدمة سداد الأقساط عبر “إنستاباي” إلى 18 شركة، وضمت القائمة فاليو وكونتكت وسهولة وحالا وسيمبل وغيرها.
وهذا التطور يعكس تحولا مهما في السوق: المنافسة لم تعد على منح التمويل فقط، وإنما أصبحت تشمل سهولة الحصول عليه وسداد الأقساط وإدارة العلاقة مع العميل رقميا.
سهولة.. ذراع تمويل استهلاكي ضمن منظومة استثمارية
تعد “سهولة” من الأسماء البارزة في التمويل الاستهلاكي، وتعمل ضمن منظومة سي آي كابيتال.
وتقدم الشركة تمويلات للسلع والخدمات الاستهلاكية، مع اعتماد متزايد على الحلول الرقمية في التقييم وخدمة العملاء، كما تتيح سداد الأقساط عبر “إنستاباي”.
وتكتسب الشركة أهمية إضافية من ارتباطها بمجموعة مالية تمتلك أنشطة متعددة في الاستثمار وإدارة الأصول والتمويل، وهو ما يتيح تكامل المنتجات والخدمات المالية داخل المجموعة.
وفي النصف الأول من 2026، سجلت سي آي كابيتال القابضة إيرادات بلغت 5.5 مليار جنيه، بنمو 11%، وصافي أرباح بعد الضرائب وحقوق الأقلية بلغ 942 مليون جنيه، بنمو 21%، فيما بلغت أصولها المدارة 196.2 مليار جنيه.
أمان.. شبكة واسعة ونموذج يعتمد على الانتشار
تأتي “أمان” ضمن الأسماء المعروفة في سوق التمويل الاستهلاكي، مع اعتمادها على شبكة واسعة من نقاط البيع والتجار والحلول الرقمية.
ويعكس نموذجها اتجاها مختلفا في السوق؛ إذ ترتبط قدرة شركة التمويل على النمو ليس فقط برأس المال المتاح، وإنما أيضا بحجم شبكة التجار وقدرتها على الوصول إلى العميل في نقطة شراء السلعة أو الخدمة.
وهذا العامل أصبح أكثر أهمية مع توسع السوق في تمويل الإلكترونيات والأجهزة والسيارات والخدمات.
حالا.. التمويل الرقمي في قلب المنافسة
تعد “حالا” من الأسماء البارزة في قطاع التكنولوجيا المالية والتمويل، وتقدم مجموعة من الخدمات المالية الرقمية، من بينها حلول التمويل الاستهلاكي.
وتكتسب التجربة أهمية من ارتباط التمويل بالتكنولوجيا، خصوصا أن تقييم العميل وإدارة التمويل والتحصيل يمكن أن تعتمد بدرجات أكبر على البيانات والخوارزميات بدلا من الإجراءات الورقية التقليدية.
وتشير بيانات سوق التمويل إلى أن الرقمنة أصبحت عنصرا رئيسيا في توسع القطاع، خصوصا مع اعتماد عدد متزايد من الشركات على التقييم الرقمي وسداد الأقساط إلكترونيا.
شركات أخرى تدخل المنافسة
ولا تقتصر السوق على الأسماء الكبرى المعروفة، إذ تضم منظومة التمويل الاستهلاكي عشرات الشركات المرخصة، وتظهر تراخيص جديدة ومنتجات متخصصة باستمرار.
وتوضح سجلات الهيئة العامة للرقابة المالية وجود شركات حديثة الترخيص مثل “ملاذ للتمويل الاستهلاكي”، و”تيلدا للتمويل الاستهلاكي”، و”الجو للتمويل الاستهلاكي”، و”أدفا للتمويل الاستهلاكي”، إلى جانب شركات أخرى مثل “كليفر” و”برافو” و”لايم”.
كما وافقت الهيئة في يناير 2026 على ترخيص “أدفا” لمزاولة نشاط التمويل الاستهلاكي كشركة ناشئة في مجال التكنولوجيا المالية، بما يعكس دخول نماذج رقمية جديدة إلى السوق.
سوق لا تقوده شركة واحدة
ومن المهم عند الحديث عن “أقوى” شركات التمويل التمييز بين أنواع النشاط.
فالشركة التي تتصدر التمويل الاستهلاكي ليست بالضرورة صاحبة أكبر محفظة في التأجير التمويلي أو التمويل العقاري، كما أن حجم المحفظة لا يعكس وحده جودة الأداء أو الربحية.
وتضم السوق شركات متخصصة في التمويل الاستهلاكي، وأخرى في التأجير التمويلي والتخصيم والتمويل العقاري وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر.
ولهذا فإن الصورة الأدق هي أن السوق تضم مجموعة من اللاعبين الكبار، لكل منهم نقاط قوة مختلفة وفقا لنوع التمويل وحجم المحفظة وقاعدة العملاء والانتشار والربحية.
الأرقام تكشف اتجاه السوق
اللافت في بيانات 2026 هو أن النمو لا يأتي من قطاع واحد.
فالتمويل الاستهلاكي سجل 71.84 مليار جنيه خلال 6 أشهر فقط، بينما بلغ التأجير التمويلي 179.2 مليار جنيه خلال 2025، وبلغ التمويل العقاري 42.7 مليار جنيه في العام نفسه.
وفي التأجير التمويلي، كشفت أحدث البيانات أن العقارات والأراضي استحوذت على 75.7% من قيمة العقود المبرمة خلال أبريل 2026، بقيمة تقارب 19.84 مليار جنيه، بينما اتجهت مليارات أخرى إلى تمويل السيارات والمركبات وغيرها من الأنشطة.
أما تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، فقد بلغت أرصدته 98.3 مليار جنيه بنهاية 2025، فيما وصلت قيمة التمويلات الممنوحة خلال العام إلى 106.9 مليار جنيه.
البنوك تدخل على الخط
أحد أهم التحولات في السوق المصرية أن الحدود بين البنوك وشركات التمويل غير المصرفي أصبحت أكثر تداخلا.
فعددا من البنوك يمتلك أذرعا تعمل في التأجير التمويلي والتخصيم والتمويل الاستهلاكي والتمويل العقاري وإدارة الأصول، وهو ما يجعل المنافسة في بعض الحالات أقرب إلى التكامل بين النشاط المصرفي والتمويل غير المصرفي.
ويعني ذلك أن شركات التمويل لم تعد تعمل دائما بمعزل عن القطاع المصرفي، وإنما أصبح بعضها جزءا من مجموعات مالية كبيرة تمتلك القدرة على توفير التمويل والخدمات الاستثمارية والتأمينية في منظومة واحدة.
الرقابة المالية ترفع سقف المنافسة
ومع نمو السوق، اتجهت الهيئة العامة للرقابة المالية إلى تشديد القواعد المنظمة للنشاط.
ففي سبتمبر 2026 أصدرت الهيئة أول دليل شامل لقواعد وضوابط نشاط التمويل الاستهلاكي، يتناول متطلبات الترخيص ورأس المال والحوكمة والملاءة المالية والجدارة الائتمانية وإدارة المخاطر والسيولة والمخصصات واختبارات التحمل المالي.
وهذه الخطوة تعني أن المرحلة المقبلة لن تعتمد فقط على سرعة نمو المحافظ، وإنما ستضع جودة الائتمان والملاءة المالية وإدارة المخاطر وحماية العملاء في مقدمة معايير المنافسة.
التكنولوجيا تعيد تشكيل شركات التمويل
التحول الرقمي أصبح أحد أهم الأسلحة التنافسية في السوق.
فمنصة “إنستاباي” أتاحت سداد أقساط عدد متزايد من شركات التمويل الاستهلاكي، بينما تتوسع الشركات نفسها في التقييم الرقمي للعملاء وإدارة الحسابات والتحصيل الإلكتروني.
وفي الوقت نفسه، تتجه الهيئة إلى تنظيم استخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة غير المصرفية، بما يسمح للشركات بتقديم الخدمات بصورة أسرع وأكثر اعتمادا على البيانات. وتظهر قرارات 2026 منح تراخيص لأنشطة تمويلية تعتمد على التكنولوجيا المالية.
إلى أين تتجه السوق؟
المؤشرات الحالية ترسم سوقا مرشحة لمزيد من التوسع، لكن مع تغير قواعد المنافسة.
فالمنافسة المقبلة لن تكون فقط على من يمنح أكبر قيمة من التمويلات، وإنما على من يستطيع الوصول إلى العميل بتكلفة أقل، وتقييم قدرته على السداد بصورة أكثر دقة، وتحقيق معدلات تحصيل جيدة، وحماية بيانات العملاء، مع الالتزام بالمتطلبات الرقابية.
وبالنسبة للمستهلك، يعني ذلك اتساع البدائل أمامه بين القرض البنكي والتمويل الاستهلاكي وخدمات الدفع الآجل، لكن مع ضرورة المقارنة بين التكلفة الفعلية للتمويل، والرسوم، وشروط السداد، وغرامات التأخير، وليس الاكتفاء بقيمة القسط الشهري.
وتؤكد الهيئة العامة للرقابة المالية ضرورة تعامل العملاء مع الجهات المرخصة فقط، وقراءة كل شروط المنتج والتكاليف المرتبطة به قبل التعاقد.
الخلاصة
سوق شركات التمويل المصرية لم تعد قطاعا هامشيا داخل المنظومة المالية؛ فالنمو السريع في التمويل الاستهلاكي، واتساع التأجير التمويلي والتخصيم والتمويل العقاري وتمويل المشروعات، يعكس ارتفاع أهمية التمويل غير المصرفي في الاقتصاد.
وتبرز في المشهد أسماء مثل كونتكت، وفاليو، وسهولة، وأمان، وحالا، إلى جانب عشرات الشركات الأخرى المتخصصة أو الناشئة، بينما تزداد صلة السوق بالبنوك والتكنولوجيا المالية.
والمرحلة المقبلة قد تكون أكثر اعتمادا على التكنولوجيا والبيانات والانضباط الائتماني، ما يجعل “قوة” شركة التمويل مرتبطة بمزيج من حجم المحفظة، والنمو، والربحية، وجودة الأصول، والانتشار، والتكنولوجيا، والقدرة على إدارة المخاطر، وليس بمؤشر واحد فقط.





