من الكشافة إلى ناسا.. كيف حولت سيلفيا أسيفيدو الإصرار إلى مسيرة استثنائية؟

من الكشافة إلى ناسا ثم قيادة فتيات الكشافة.. سيلفيا أسيفيدو التي حوّلت الإصرار إلى مسيرة استثنائية
لم تبدأ سيلفيا أسيفيدو رحلتها نحو عالم الهندسة والفضاء من مختبرات علمية متقدمة، وإنما من بيئة متواضعة في لاس كروسيس بولاية نيو مكسيكو، حيث نشأت وسط تحديات مالية وتوقعات اجتماعية لم تكن ترى بسهولة مستقبلا لفتاة من خلفيتها في مجالات العلوم والهندسة. لكن تجربة مبكرة مع فتيات الكشافة ساعدتها على اكتشاف شغفها بالعلوم والفضاء، ووضعت أول لبنة في مسيرة مهنية قادتها لاحقا إلى وكالة ناسا، ثم إلى مناصب تنفيذية في كبرى شركات التكنولوجيا، وصولا إلى قيادة منظمة فتيات الكشافة في الولايات المتحدة.
كان انضمام أسيفيدو إلى فتيات الكشافة نقطة تحول حقيقية في حياتها. وخلال إحدى الرحلات الكشفية، لفت نظرها السماء والنجوم، قبل أن تشجعها قائدة فريقها على خوض تجربة الحصول على شارة العلوم، وهو ما دفعها إلى بناء صاروخ نموذجي. ورغم فشل المحاولة الأولى، أعادت التجربة حتى نجحت، لتكتشف مبكرا أن حل المشكلات والمثابرة يمكن أن يحولا الفكرة إلى إنجاز ملموس.
ومع اتساع شغفها بالرياضيات والعلوم، التحقت أسيفيدو بجامعة ولاية نيو مكسيكو، حيث حصلت على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف في الهندسة الصناعية، قبل أن تواصل دراستها في جامعة ستانفورد وتحصل على درجة الماجستير في هندسة النظم. وكانت من أوائل الطلاب من أصول لاتينية الذين حصلوا على درجة دراسات عليا في الهندسة من ستانفورد.
بعد تخرجها، بدأت أسيفيدو مسيرتها المهنية في وكالة ناسا، وتحديدا في مختبر الدفع النفاث “JPL”، حيث عملت ضمن فريق مهمة “Voyager 2″، وأسهمت في تطوير خوارزميات وتحليل البيانات المرتبطة بتحليق المركبة بالقرب من كوكب المشتري وأقماره. كما شاركت في أعمال مرتبطة بمهمة المسبار الشمسي، لتصبح تجربتها في ناسا نقطة انطلاق نحو مسيرة طويلة في مجالات الهندسة والتكنولوجيا.
لكن محطة ناسا لم تكن نهاية الرحلة، بل بداية لمسار مهني أكثر اتساعا. انتقلت أسيفيدو إلى قطاع التكنولوجيا، وشغلت أدوارا هندسية وتنفيذية في شركات كبرى من بينها IBM وApple وDell وAutodesk، لتنتقل تدريجيا من العمل الهندسي المتخصص إلى الإدارة والقيادة وتطوير الأعمال.
وفي 2016، عادت أسيفيدو إلى المنظمة التي كان لها تأثير كبير في تشكيل شخصيتها المهنية، عندما تولت منصب الرئيسة التنفيذية المؤقتة لفتيات الكشافة في الولايات المتحدة، قبل أن تصبح الرئيسة التنفيذية بصورة رسمية في 2017. واستمرت في المنصب حتى أغسطس 2020، لتكتمل بذلك واحدة من أكثر دوائر مسيرتها المهنية رمزية: فتاة صغيرة اكتشفت شغفها بالعلوم من خلال الكشافة، ثم عادت بعد عقود لقيادة المنظمة نفسها.
وخلال قيادتها، ركزت أسيفيدو على توسيع برامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إلى جانب ريادة الأعمال وتنمية المهارات القيادية. وشهدت المنظمة طرح عشرات الشارات والبرامج الجديدة المرتبطة بمجالات مثل البرمجة والروبوتات والهندسة والأمن السيبراني والعلوم، في محاولة لربط مهارات الفتيات باحتياجات سوق العمل المتغير. وتذكر سيرتها المهنية أن المنظمة طرحت 146 شارة وبرنامجا جديدا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وريادة الأعمال وغيرها خلال فترة قيادتها.
ولم تتوقف مسيرة أسيفيدو عند الإدارة التنفيذية، إذ واصلت حضورها في قطاع التكنولوجيا والأعمال، كما شاركت في العمل العام في مجال التعليم، وعملت ضمن مبادرات مرتبطة بالسياسات التعليمية، إلى جانب عضوية مجالس إدارات شركات تكنولوجية، من بينها Qualcomm وCredo Technologies.
وتحمل قصة سيلفيا أسيفيدو بعدا يتجاوز النجاح المهني، فهي تكشف كيف يمكن للتعليم والخبرة المبكرة أن يغيرا المسار الاقتصادي والمهني للفرد. فالتجربة التي بدأت من نشاط كشفي بسيط تحولت إلى شغف بالعلوم، ثم إلى دراسة الهندسة، والعمل في استكشاف الفضاء، والانتقال إلى المناصب التنفيذية في شركات التكنولوجيا، قبل توظيف هذه الخبرة في تطوير برامج تساعد جيلا جديدا من الفتيات على دخول مجالات العلوم والتكنولوجيا.
وتلخص أسيفيدو رحلتها في كتابها “Path to the Stars: My Journey from Girl Scout to Rocket Scientist”، الذي يستعرض انتقالها من طفلة في نيو مكسيكو إلى مهندسة وعالمة صواريخ في ناسا ثم قائدة لمنظمة فتيات الكشافة. وتظل تجربتها نموذجا لمسار مهني لم يكن مرسوما مسبقا، وإنما تشكل عبر التعليم والمثابرة والقدرة على تحويل العقبات إلى فرص.





