الدكتور يسري الشرقاوي يكتب: من السلع «المعمرة» إلى السلع «المدمرة»!!!

تحول دراماتيكي في الاستراتيجيات الاقتصادية عالميا، حوّل السلع المعمرة إلى سلعة استهلاكية، أصابت اقتصاد الجيوب بالعديد من الأعباء.

نعم، نحن أمام اقتصاد الجودة المفقودة في السيارات والثلاجات والغسالات والبوتاجازات…

ليست السيارة وحدها هي التي فقدت صفتها «المعمرة»، فالثلاجة التي كانت تُورَّث، والغسالة التي كانت تخدم لمدة عقدين كاملين، والبوتاجاز الذي كان يُصلَح ولا يُرمى، سلكت المسار نفسه الذي سلكته سيارة الركوب بعد أن خرجت من عصر «بيجو 504» طرازات 1979 وأوائل الثمانينيات… الخلل واحد، وهو تسريع دورة الاستبدال على حساب الخامة والمحرك وقابلية الإصلاح، حتى صارت الأسرة تشتري الأصل مرتين أو ثلاثا وأحيانا أكثر خلال عمر الجيل الواحد.

على مدى خمسين عاما تضخم الإنتاج لا العمر التشغيلي، فقد ارتفع إنتاج المركبات عالميا من نحو 58 مليون وحدة عام 2000 إلى قرابة 93 مليونا عام 2024، فيما قفزت الصين من نحو 149 ألف مركبة عام 1978 إلى أكثر من 27 مليون سيارة ركوب بحلول عام 2024، أي نحو 40% من إنتاج العالم.

أما الأجهزة المنزلية الكبرى فقد بلغ حجم السوق نحو 570 مليون وحدة عام 2024، مع توقع نحو 639 مليونا بحلول عام 2028، وتقدَّر قيمة سوق الغسالات والمجففات بنحو 54 مليار دولار، والثلاجات المجمعة بنحو 51 مليار دولار، في حين استهلك العالم نحو 368 مليون وحدة من الأفران والطابخات الكهربائية عام 2024، وتنتج الصين وحدها قرابة 80% من هذه الفئة.

أما مصر فسوق أجهزتها المنزلية يقدَّر بعدة مليارات من الدولارات سنويا، وتستحوذ الثلاجات وحدها على نحو ثلث إيرادات القطاع… إذن، فالاتساع عددي، لا متانة وجودة، حيث يظهر قصر العمر بالأرقام لا بالانطباع، فقد هبط متوسط عمر الغسالة في دراسات طويلة الأجل من نحو 19٫2 سنة إلى 10٫6 سنوات، أي تراجع بنسبة 45%، وتراجع عمر الفرن والبوتاجاز من نحو 23٫6 سنة إلى 14٫3 سنة بنسبة 39%. أما الثلاجة الحديثة فتدوم غالبا بين 10 و15 سنة بمتوسط معلن قرابة 14 سنة، بعدما كانت أجيال سابقة تتجاوز العشرين في الخدمة الفعلية. وسيارة الركوب الحديثة، بدورها، لم تعد تُصمَّم لخدمة شاقة ربع قرن كالطرز الميكانيكية القديمة، المشترك بين القطاعات أربعة عناصر: صاج أرق، مواتير أضعف، لوحات إلكترونية غير قابلة للإصلاح الرخيص، وقطع غيار أغلى من الجهاز المستعمل.

وتتعدد التفسيرات وتتلاقى النتائج، فهناك سياسة التقادم المخطط لرفع معدل الدوران، وهناك تدنٍّ لعائد الصناعة التقليدية أمام المال والتقنية، فيُعوَّض الهامش بسرعة الاستبدال، كما أن هناك فجوة «سر الصنعة» بين دول التصميم ودول الاستهلاك الكثيف، وهناك إحلال الرقمنة والرفاهية محل المتانة الميكانيكية، رغم وجود هيئات التقييس التي تصادق في النهاية على ما يقدمه المصنع، ثم جاءت المنافسة السعرية الصينية فجرّت العالم إلى سباق الكلفة على حساب الجودة، في السيارات كما في الثلاجة والغسالة والبوتاجاز.

وتزامن ذلك مع انحدار طبقة العمال المهرة، وهبطت حصة التشغيل الصناعي في اقتصادات غنية من نحو ثلث القوة العاملة في منتصف القرن الماضي بالولايات المتحدة إلى قرابة 8% بنهاية العقد الثاني من القرن الحالي. الفني القادر على إصلاح ضاغط ثلاجة أو محرك غسالة أو طقم بوتاجاز أو محرك سيارة صار أندر وأغلى من شراء جهاز جديد، فانكسر منطق الصيانة.

والثمن يظهر في الميزان العالمي وفي جيب الأسرة المصرية معا، فقد بلغت المخلفات الإلكترونية 62 مليون طن عام 2022، بارتفاع 82% عن عام 2010، وهي في طريقها إلى 82 مليون طن بحلول عام 2030، بخسارة اقتصادية صافية قُدِّرت بنحو 37 مليار دولار في سنة واحدة. وفي مصر بلغ الإنفاق الاستهلاكي للأسر نحو 341 مليار دولار خلال عام 2024، أي قرابة 8% من الناتج، فإذا استُبدلت الثلاجة والغسالة والبوتاجاز والسيارة كل ثماني إلى اثنتي عشرة سنة بدل عشرين، تحولت «السلعة المعمرة» إلى ضريبة صامتة تُقتطع من الغذاء والتعليم والصحة، خاصة مع تقلب سعر الصرف وكلفة الاستيراد.

ولعلاج ذلك.. فهناك حلول قابلة للتنفيذ:

فرض حد أدنى قانوني لعمر التشغيل، وحق الإصلاح، وتوفير قطع الغيار عشر سنوات على الأقل للثلاجة والغسالة والبوتاجاز والسيارة.

ربط الحوافز الاستثمارية بمعيار المتانة لا بعدد الوحدات.

إعادة مدارس الصنعة للمحركات والضواغط وأحواض الغسيل وأفران الغاز.

تمييز جمركي لصالح المنتج القابل للإصلاح.

علامة جودة معلنة للعمر المختبر.

تمويل علامات تتحمل الغبار والحرارة والمياه الرديئة، وهي بيئة البيت المصري لا بيئة المعرض.

إطلاق حملات توعية لتعريف الناس بمعايير المتانة قبل الشراء، وعمل كتيب استهلاكي يوضح متوسط العمر التشغيلي المتوقع لكل جهاز.

إلزام الشركات بكتابة “العمر الافتراضي” في كتيب الجهاز وعلى الكرتونة جنب السعر، بنفس فكرة تاريخ الصلاحية للأطعمة والمشروبات.

تشجيع تصنيع قطع الغيار محليا كحل ترشيدي بديل لشراء السلع الجديدة.

أما أفق عام 2050 فهناك خطر محسوب: فاستمرار القصر التشغيلي مع تضخم أساطيل السيارات والأجهزة يعني مضاعفة الإحلال والنفايات والحرائق والحوادث الناتجة عن أعطال إلكترونية رخيصة.

المخلفات الإلكترونية مرشحة لتجاوز 80 مليون طن قبل نهاية العقد الحالي، وقد تقترب تكلفة سوء إدارة النفايات عالميا من مستويات مئات المليارات سنويا بحلول منتصف القرن، وما يُفقد من أرواح على الطرق، ومن حرائق مطبخ بسبب بوتاجاز رديء، ومن ثروة أسرية في استبدال مبكر، يخرج هذه المنتجات من خانة “المعمرة” إلى خانة “المدمرة”: فهي تدمر الجيب، وتدمر البيئة، وقد تدمر الصحة، وتدمر استقلال الصناعة في الدول المستوردة.

إن الجودة ليست حنينا إلى جهاز قديم، بل شرط استقرار اقتصادي، أرى أننا حاليا لا نشتري أجهزة… نحن نستأجرها بالتقسيط.

عندما تتحول “المعمرة” إلى “مستهلكة” و”مدمرة”، يتحول اقتصاد الوطن من الإنتاج إلى الاستهلاك، ومن الصناعة إلى النفايات.

الجودة ليست رفاهية، الجودة هي أرخص سياسة اقتصادية على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى