أراضي الدولة تحت الاختبار.. الإسكان تشدد قواعد التخصيص لفرز المطورين وجذب الاستثمارات

تعيد وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية النظر في آليات تخصيص الأراضي الاستثمارية، عبر وضع قواعد جديدة تستهدف توجيه الفرص إلى الشركات الأكثر قدرة على التنفيذ، وربط الحصول على الأرض بجدية المطور وملاءته المالية، بما يحد من ظاهرة المتاجرة بالأراضي أو الاحتفاظ بها دون تنمية.

ويأتي التوجه الجديد بالتزامن مع مساعي الدولة للتوسع العمراني وزيادة حجم الاستثمارات العقارية، مع تحقيق توازن بين ضمان جدية الشركات المتقدمة من ناحية، والحفاظ على فرص دخول المطورين الجادين، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة والمستثمرين الأجانب، من ناحية أخرى.

ويرى مطورون وخبراء أن اشتراط سداد قيمة الأرض بالكامل عند التقدم قد يعزز قدرة الدولة على فرز الشركات الأكثر ملاءة، لكنه في المقابل قد يرفع متطلبات السيولة اللازمة للدخول في الطروحات، ما يستدعي تطوير أدوات تمويل وضمانات تضمن جذب الاستثمارات دون الإخلال بمعايير الجدية.

وقال أسامة سعدالدين، المدير التنفيذي لغرفة صناعة التطوير العقاري، إن آلية تخصيص الأراضي الجديدة، التي تتضمن سداد قيمة الأرض بالكامل مقدمًا، تمثل تحديا أمام بعض الشركات، خاصة المطورين الصغار، نتيجة ارتفاع السيولة المطلوبة للدخول في المشروعات.

وأضاف أن تطبيق النظام بصورة موسعة قد يجعل بعض الفرص الاستثمارية متاحة بشكل أكبر أمام الشركات ذات الملاءة المالية المرتفعة، خصوصا في حالة الأراضي ذات المساحات الكبيرة التي تتطلب سداد مبالغ ضخمة مقدمًا.

وأوضح سعدالدين أن هذا التوجه يأتي في ضوء تجارب سابقة حصلت خلالها شركات على مساحات كبيرة من الأراضي، خاصة في العاصمة الجديدة، ثم واجهت صعوبات في توفير التمويل اللازم للتنفيذ، ما أدى إلى تعثر بعض المشروعات أو تأخر معدلات التنمية.

وأشار إلى أن سداد نسبة كبيرة من قيمة الأرض مقدمًا قد يعزز ثقة العملاء في جدية المطور، باعتبار أن جزءا أكبر من قيمة الأرض التي يقام عليها المشروع يكون قد تم سداده بالفعل، إلى جانب دعم قدرة الدولة على تحصيل مستحقاتها وتقليل مخاطر التأخر في سداد الأقساط.

وأكد سعدالدين أن استمرار التوسع العمراني يتطلب توفير آليات قادرة على جذب مزيد من الاستثمارات، خاصة الأجنبية، في ظل محدودية الرقعة العمرانية في مصر مقارنة بإجمالي مساحة الجمهورية.

واقترح دراسة استخدام أدوات مثل خطابات الضمان بالنسبة للمستثمرين الأجانب، بما يتيح لهم دخول السوق وتقليل حجم السيولة المطلوبة مقدمًا، مع الحفاظ على ضمانات جدية التنفيذ والالتزام بالتعاقدات.

وقال فتح الله فوزي، رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن آليات التخصيص الجديدة يمكن أن تسهم في الحد من دخول سماسرة الأراضي والمتاجرين بها، من خلال رفع متطلبات التقدم والتأكد من قدرة الشركات على تنفيذ المشروعات.

وأضاف أن الهدف الأساسي من تخصيص الأراضي يجب أن يكون توجيهها إلى المطور القادر على تنميتها، سواء كان مصريا أو أجنبيا، وليس إلى من يسعى للحصول عليها بغرض الاحتفاظ بها أو إعادة بيعها.

وأوضح فوزي أن التحول إلى منصة إلكترونية مخصصة للمستثمرين الأجانب يمثل خطوة إيجابية، لأنه يسهل إجراءات التقدم ويمنح المستثمر قدرا أكبر من الوضوح بشأن الفرص الاستثمارية وآليات التخصيص.

وأشار إلى أن اشتراط سداد قيمة الأرض بالكامل مقدمًا لن يمثل عائقا أمام الشركات الجادة والقادرة ماليا، خاصة أن المطور الذي يمتلك القدرة على تنفيذ مشروع كبير يجب أن تتوافر لديه كذلك الملاءة اللازمة للحصول على الأرض وتنميتها.

ويرى فوزي أن الإجراءات الجديدة مناسبة لضبط عملية التخصيص، لكنه اقترح اختبار تطبيقها لفترة تصل إلى 3 أشهر، ثم تقييم نتائجها ومدى تأثيرها على حجم الطلب ونوعية الشركات المتقدمة.

وأكد أهمية متابعة نتائج التطبيق على أرض الواقع، للتأكد من تحقيق التوازن بين جذب الشركات القادرة على التنفيذ وعدم الحد من فرص المنافسة أمام المطورين الجادين.

من جانبه، قال إبراهيم عبدالمنعم، رئيس مجلس إدارة شركة استشارات وتسويق عقاري، إن تطوير آليات تخصيص الأراضي يمثل خطوة مهمة لتنظيم الاستثمار العقاري ورفع كفاءة التنفيذ، إلا أن تقييم المطور يجب ألا يعتمد فقط على سنوات عمل الشركة أو حجم ملاءتها المالية.

وأضاف أن المعيار الأهم يجب أن يرتبط بسجل الأعمال الفعلي، ومعدلات الإنجاز والتسليم، والالتزام بالجداول الزمنية المتفق عليها، موضحا أن وجود شركات ذات خبرة طويلة وملاءة مالية كبيرة لا يعني بالضرورة قدرتها على الالتزام بمواعيد التنفيذ.

وأشار عبدالمنعم إلى أن بعض الشركات حديثة التأسيس قد تحقق معدلات تنفيذ أفضل من شركات تعمل منذ سنوات، ما يتطلب وضع معايير أكثر دقة للمفاضلة بين المتقدمين.

وأوضح أن من بين المؤشرات التي يمكن الاعتماد عليها عدد المشروعات التي تم تنفيذها وتسليمها مقارنة بإجمالي المشروعات، ونسب الإنجاز الفعلية، ومدى الالتزام بمواعيد التسليم والتعاقدات السابقة.

وأكد أن تطوير معايير التقييم سيعزز جودة المشروعات ويقلل مخاطر التعثر، ويضمن توجيه الأراضي إلى الشركات القادرة فعليا على تنميتها بدلا من الاكتفاء بامتلاكها.

وفيما يتعلق بالمستثمرين الأجانب، أوضح عبدالمنعم أن إتاحة منصة إلكترونية تتيح للمستثمر إيداع الأموال واستردادها حال عدم الفوز بقطعة الأرض تمثل عامل أمان مهما، وتخفض مخاطر الدخول إلى السوق المصرية.

وأضاف أن المستثمر الأجنبي يبحث، إلى جانب الفرص الاستثمارية، عن حماية قانونية ووضوح في الإجراءات، وهو ما يجعل تطوير منظومة التخصيص عنصرا أساسيا في جذب رؤوس الأموال الأجنبية.

وأشار إلى أن الآلية الجديدة يمكن أن تحد من ظاهرة تسقيع الأراضي إذا ارتبطت بمعايير واضحة للتخصيص، وآليات دقيقة للتحقق من قدرة المطور على التنفيذ.

وفي النهاية، يظل الهدف الأساسي من إعادة صياغة آليات تخصيص الأراضي هو ضمان انتقال الأرض إلى المطور القادر على تطويرها وتنميتها، وليس مجرد امتلاكها، بما يسهم في زيادة معدلات التنمية الحقيقية، وتعزيز المعروض العقاري، وطرح مزيد من الوحدات في السوق، مع الحفاظ على جاذبية القطاع أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى