الشورت سيلينج يعود للبورصة المصرية.. هل يرفع السيولة ويجذب الأجانب أم يزيد تقلبات السوق؟

تقترب البورصة المصرية من دخول مرحلة جديدة في أدوات التداول، مع التحرك نحو التفعيل الفعلي لآلية “الشورت سيلينج” أو بيع الأوراق المالية المقترضة، بعد أن وضعت الهيئة العامة للرقابة المالية إطارا تنظيميا جديدا يستهدف تعزيز كفاءة السوق ورفع مستويات السيولة وتحسين كفاءة التسعير، مع وضع ضوابط لإدارة المخاطر وحماية حقوق المتعاملين. وأكدت الهيئة أن الإطار الجديد يمهد الطريق لتفعيل الآلية قريبا، في إطار مسار أوسع لتحديث أدوات سوق رأس المال وتعميقه.

وتفتح عودة “الشورت سيلينج” الباب أمام نقاش واسع حول مدى استفادة سوق المال المصرية من الأداة الجديدة، وما إذا كان تأثيرها سيميل إلى دعم السيولة وتحسين آليات التسعير وجذب شرائح جديدة من المستثمرين، أم أنها قد تؤدي في المدى القصير إلى زيادة مستويات التذبذب، خاصة مع دخول قوة بيعية منظمة إلى السوق.

وقال رامي حجازي، خبير سوق المال، إن آلية “الشورت سيلينج” سبق إطلاقها في مصر عام 2019، لكنها لم تحقق النتائج المستهدفة في ذلك الوقت، مرجعا ذلك إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها ضعف الثقافة الاستثمارية لدى شريحة من المتعاملين الأفراد وعدم الإلمام الكافي بكيفية استخدام الآلية، في ظل اعتماد جانب كبير من التداولات الفردية على المضاربة التقليدية القائمة على شراء الأسهم أولا ثم انتظار ارتفاع أسعارها.

وأضاف أن ضعف السيولة وأحجام التداول في تلك الفترة شكل عاملا آخر حد من قدرة “الشورت سيلينج” على تحقيق أهدافها، خاصة أن نجاح الآلية يرتبط بوجود سوق نشطة تتمتع بمستويات تداول وسيولة مرتفعة، إلى جانب الحاجة إلى منظومة متكاملة تضمن التوازن بين قوى العرض والطلب.

وأشار إلى أن غياب الدور الفعال لصانع السوق كان من بين التحديات التي واجهت التطبيق السابق، في وقت لم تكن فيه البنية التنظيمية والتشغيلية للسوق مهيأة بالشكل الكافي لاستيعاب الأداة الجديدة، فضلا عن عدم حصول جميع شركات السمسرة على التراخيص اللازمة لمزاولة النشاط، وهو ما حد من انتشار الآلية وسهولة استخدامها.

وأوضح حجازي أن الظروف الحالية تختلف مع توجه الدولة والجهات المنظمة إلى زيادة عمق سوق المال وتطوير أدواته، لافتا إلى أن إدخال منتجات استثمارية جديدة مثل المشتقات وصناديق التحوط و”الشورت سيلينج” يأتي ضمن مسار يستهدف توسيع الخيارات أمام المستثمرين ورفع كفاءة السوق.

ورأى أن “الشورت سيلينج” يمكن أن يمثل أداة مهمة لزيادة السيولة وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين قوى البيع والشراء، إلى جانب تعزيز جاذبية البورصة المصرية أمام المستثمرين الأجانب، الذين تميل استراتيجياتهم الاستثمارية إلى الأسواق التي توفر مجموعة متنوعة من الأدوات والمنتجات المالية.

وأكد أهمية رفع مستوى الوعي لدى المتعاملين قبل التوسع في استخدام الآلية، من خلال حملات تدريبية وورش عمل تشرح طريقة عملها وفوائدها ومخاطرها، موضحا أن البيع على المكشوف لا يمثل قوة بيعية فقط، إذ إن مراكز البيع المفتوحة تحتاج في النهاية إلى إعادة شراء الأوراق المالية لإغلاقها، وهو ما قد يولد قوة طلب مقابلة في مراحل لاحقة.

وشدد على أهمية تشجيع شركات السمسرة على الحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة النشاط، إلى جانب تبسيط إجراءات التنفيذ وتوفير الحوافز التنظيمية المناسبة، بما يضمن انتشار الأداة بين الشركات ويزيد من قدرتها على الوصول إلى المستثمرين.

وتتضمن المنظومة الجديدة بالفعل ضوابط واضحة لإدارة المخاطر، من بينها اشتراط توفير غطاء وضمانات قبل تنفيذ العمليات، مع ضمان نقدي بنسبة 50% إلى جانب قيمة الأوراق المالية المقترضة، بما يجعل إجمالي الغطاء قبل التنفيذ يعادل 150% من قيمة المركز المفتوح، فضلا عن إعادة تقييم الأوراق المالية والضمانات يوميا وفقا لأسعار الإقفال.

ومن جانبه، قال أحمد عبد الفتاح، خبير سوق المال، إن الهدف الأساسي من الإطار التنظيمي الجديد يتمثل في تعميق السوق وزيادة السيولة وتحسين كفاءة التسعير، إلى جانب إتاحة أدوات استثمارية جديدة أمام المتعاملين، مع وجود منظومة للضمانات وإدارة المخاطر.

وأوضح أن أحد أبرز مكاسب “الشورت سيلينج” يتمثل في زيادة فرص التداول، إذ يستطيع المستثمر الاستفادة من تحركات السهم في الاتجاهين، سواء عند صعود السعر من خلال الشراء التقليدي، أو عند توقع انخفاضه من خلال بيع الأوراق المالية المقترضة، وهو ما قد يرفع معدل دوران السيولة داخل السوق.

وأضاف أن الآلية يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة التسعير، إذ إن وجود مستثمرين قادرين على البيع على المكشوف في سهم يبالغ السوق في تسعيره قد يضيف قوة بيعية تساعد على إعادة السعر إلى مستويات أكثر عدالة، بما يعزز آلية اكتشاف الأسعار.

وأشار إلى أن جذب المستثمرين الأجانب والمؤسسات يمثل أحد المكاسب المحتملة للآلية، خاصة أن “الشورت سيلينج” يعد من الأدوات المتاحة في العديد من أسواق المال العالمية، كما يوفر وسيلة للتحوط أمام المؤسسات التي تمتلك محافظ كبيرة من الأسهم وتتوقع حدوث تصحيح مؤقت في السوق دون رغبة في التخارج الكامل من استثماراتها.

ورجح عبد الفتاح أن يكون تأثير “الشورت سيلينج” إيجابيا على المدى المتوسط والطويل، مع احتمالات ارتفاع مستويات التقلب على المدى القصير، باعتبار أن السوق ستستقبل قوة بيع منظمة جديدة يمكنها التأثير في حركة الأسعار، وهو أمر طبيعي مع إدخال أداة استثمارية جديدة.

وأكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأداة نفسها، وإنما في سوء استخدامها أو الإفراط في توظيفها، وهو ما يجعل الانضباط الرقابي وإدارة المخاطر عناصر حاسمة لنجاح التجربة، خصوصا مع ارتفاع نسبة مشاركة المستثمرين الأفراد في السوق المصرية.

وتفرض الهيئة العامة للرقابة المالية مجموعة من الشروط على شركات السمسرة الراغبة في مزاولة النشاط، من بينها ألا يقل صافي حقوق المساهمين عن 5 ملايين جنيه، وترتفع إلى 10 ملايين جنيه في حال الجمع بين “الشورت سيلينج” والشراء بالهامش، إلى جانب اشتراط متوسط نسبة صافي رأس مال سائل لا يقل عن 15% خلال الأشهر الستة السابقة على تقديم الطلب، وتوفير البنية التكنولوجية ونظم الرقابة الداخلية وحفظ المستندات، وتخصيص مسئول عن عمليات “الشورت سيلينج”.

وتعمل الهيئة بالتنسيق مع البورصة المصرية وشركة مصر للمقاصة على استكمال نظام الإقراض المركزي والربط الآلي بين أنظمة التداول والإقراض، بما يسمح بإدارة العمليات والضمانات ومتابعتها بصورة أكثر كفاءة وشفافية. كما منحت شركات السمسرة الحاصلة على الموافقة مهلة لتوفير البنية التكنولوجية اللازمة قبل بدء مزاولة النشاط فعليا.

وبذلك، لا تبدو عودة “الشورت سيلينج” مجرد إضافة أداة جديدة إلى قائمة منتجات البورصة المصرية، وإنما اختبارا لقدرة السوق على استيعاب أدوات أكثر تطورا، وتحقيق التوازن بين زيادة السيولة ورفع كفاءة التسعير من جهة، والحفاظ على الاستقرار وإدارة المخاطر من جهة أخرى. ويبقى نجاح التجربة مرتبطا بسرعة جاهزية شركات السمسرة، ووعي المستثمرين، وكفاءة نظام الإقراض المركزي، وقدرة الجهات الرقابية على ضبط الممارسات مع اتساع نطاق استخدام الأداة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى