شركات التمويل في مصر تحت المجهر.. توسع في التوريق وتشدد رقابي ونمو لافت للتمويل غير المصرفي

يشهد سوق التمويل غير المصرفي في مصر تحركات متسارعة خلال الفترة الأخيرة، بين توسع شركات التمويل في تدبير مصادر جديدة للسيولة عبر إصدارات التوريق، ونمو محافظ التمويل، بالتزامن مع تشديد الهيئة العامة للرقابة المالية إجراءاتها لحماية العملاء ورفع كفاءة منظومة منح التمويلات.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه القطاع المالي غير المصرفي التوسع في تقديم حلول تمويلية للأفراد والشركات، وسط توجه رقابي يستهدف زيادة الاعتماد على التكنولوجيا المالية، وتحسين إجراءات التحقق من هوية العملاء والملاءة الائتمانية، وتعزيز قدرة الشركات على إدارة المخاطر.

جميل للتمويل.. توريق بـ318 مليون جنيه

تصدر نشاط التوريق أحدث تحركات شركات التمويل، بعدما أعلنت شركة “جميل للتمويل – مصر” إتمام إصدار سندات توريق بقيمة 318 مليون جنيه، ضمن الإصدار الثالث من البرنامج الخامس لشركة “تمويل للتوريق”.

وجرى تدبير الإصدار بضمان محفظة من الحقوق المالية الآجلة لعقود التمويل الاستهلاكي بقيمة تقارب 396 مليون جنيه، بما يوفر للشركة مصدرا إضافيا للسيولة يمكن توظيفه في دعم خطط التوسع وزيادة قدرتها على تقديم التمويلات للعملاء.

وشارك بنك قناة السويس وشركة الأهلي فاروس لترويج وتغطية الاكتتاب في إدارة وترتيب وترويج الإصدار، فيما تولى بنك قناة السويس دور أمين الحفظ، وشارك عدد من المؤسسات والمكاتب المتخصصة في الجوانب القانونية والتصنيف ومراقبة الحسابات.

التأجير التمويلي.. 90.6 مليار جنيه خلال 6 أشهر

وعلى مستوى التأجير التمويلي، أبرمت شركات النشاط نحو 1.045 عقدا بقيمة إجمالية بلغت 90.6 مليار جنيه خلال النصف الأول من 2026، وفقا لأحدث بيانات منسوبة إلى الهيئة العامة للرقابة المالية.

ويعكس حجم العقود استمرار التأجير التمويلي كإحدى قنوات تمويل الشركات والأصول، خاصة في ظل احتياج قطاعات الإنتاج والخدمات إلى أدوات تمويلية بديلة تساعدها على توفير الأصول والمعدات دون الاعتماد الكامل على التمويل المصرفي التقليدي.

التمويل متناهي الصغر في الصدارة

وأظهرت بيانات القطاع أن شركات التمويل متناهي الصغر استحوذت على نحو 68.72% من إجمالي التمويلات، بقيمة بلغت 51.12 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026، وهو ما يعكس الوزن الكبير لهذا النشاط داخل منظومة التمويل غير المصرفي.

وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة في ظل ارتباط التمويل متناهي الصغر بقطاع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بما يجعله إحدى الأدوات التي تسهم في توسيع قاعدة الوصول إلى التمويل ودعم الأنشطة الاقتصادية خارج نطاق التمويل المصرفي التقليدي.

الرقابة المالية تشدد إجراءات منح التمويل

في المقابل، فرضت واقعة التمويلات المرتبطة بمدرسة “جلوبال براديم” ضغوطا رقابية متزايدة على شركات التمويل الاستهلاكي، بعدما اتخذت الهيئة العامة للرقابة المالية إجراءات وتدابير صارمة على خلفية واقعة استغلال بيانات أولياء أمور للحصول على تمويلات دون علمهم، وفقا لما أعلنته الهيئة.

وشملت الإجراءات تحريك الدعوى الجنائية ضد شركة التمويل المعنية، ومنعها من إبرام عقود تمويل استهلاكي جديدة لمدة شهر، إلى جانب اتخاذ تدابير بحق عدد من العاملين الرئيسيين بها. وأكدت الهيئة أن الإجراءات تستهدف حماية حقوق المتعاملين ورفع مستوى الالتزام بقواعد منح التمويل.

كما أعلنت الهيئة التوسع في إجراءات التفتيش على شركات التمويل الاستهلاكي، مع التركيز على التحقق من حضور العميل وتوقيعه بصورة مباشرة، ومراجعة الموقف الائتماني وسلامة إجراءات منح التمويل والضمانات وقدرة العملاء على السداد.

وتزامنت هذه الإجراءات مع تأكيد رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية أن التمويل الاستهلاكي يمثل قطاعا اقتصاديا حيويا، مشيرا إلى أن إجمالي التمويل الاستهلاكي بلغ نحو 72 مليار جنيه خلال النصف الأول من 2026.

توسع في تراخيص وأنشطة شركات التمويل

وفي اتجاه مواز، واصلت الرقابة المالية منح موافقات جديدة وتوسيع نطاق الأنشطة أمام الشركات العاملة في القطاع. ففي 27 أغسطس، منحت الهيئة 7 شركات وجهات موافقات لمزاولة أنشطة مالية غير مصرفية متنوعة.

وشملت القرارات منح “أمان للتمويل الاستهلاكي” موافقة مبدئية على إضافة نشاط التمويل العقاري إلى أغراضها، ومنح “كوربليس للتأجير التمويلي مصر” ترخيصا لمزاولة نشاط التمويل الاستهلاكي المضاف إلى غرضها.

كما تضمنت القرارات الموافقة على تأسيس “ديجتال بنكر للتمويل الاستهلاكي-وياك” كشركة ناشئة لمزاولة نشاط التمويل الاستهلاكي وفقا لقانون تنظيم وتنمية استخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية، بما يعكس توجه السوق نحو دمج التمويل بالتكنولوجيا المالية.

الصورة الكاملة للسوق

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن شركات التمويل في مصر تتحرك على مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في التوسع وزيادة القدرة التمويلية عبر التوريق وتنويع المنتجات والأنشطة، والثاني يتمثل في تشديد معايير الحوكمة وإجراءات التحقق من العملاء وإدارة المخاطر.

وبالتالي، لا يبدو أن التشدد الرقابي يستهدف تقليص نشاط التمويل غير المصرفي بقدر ما يستهدف إعادة ضبط قواعد السوق وحماية المتعاملين، بالتزامن مع استمرار منح تراخيص وتوسيع أنشطة شركات جديدة وقائمة، وهو ما يعكس محاولة لتحقيق توازن بين النمو وحماية العملاء.

ومع ارتفاع أهمية التمويل غير المصرفي كمصدر للسيولة للأفراد والشركات والمشروعات الصغيرة، فإن الفترة المقبلة ستضع قدرة الشركات على الجمع بين سرعة تقديم التمويل ودقة التحقق من العملاء وإدارة المخاطر تحت اختبار أكبر، خصوصا مع اتجاه الرقابة المالية إلى استخدام أدوات أكثر صرامة في متابعة عمليات منح التمويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى