قصة نجاح وليد حسونة.. كيف تحولت فكرة «ڤاليو» إلى منصة مالية بمليون مستخدم؟

لم تبدأ رحلة وليد حسونة في عالم الأعمال من قاعات مجالس الإدارة أو المكاتب التنفيذية داخل المؤسسات المالية الكبرى، بل من تجربة تجارية بسيطة في سن مبكرة، عندما كان يشتري الكتب من سور الأزبكية ويعيد بيعها للطلاب. تجربة تبدو بعيدة عن عالم التكنولوجيا المالية، لكنها كانت واحدة من المحطات الأولى في مسيرة مهنية انتهت به إلى قيادة «ڤاليو»، الشركة التي تحولت من منصة للشراء الآن والدفع لاحقا إلى كيان مدرج في البورصة المصرية.
لم تكن الكتب وحدها مدخله إلى عالم العمل؛ فقد خاض أيضا تجربة تنظيم الفعاليات والحفلات، واكتسب مهارات في التواصل وإدارة التفاصيل وبناء العلاقات. ومع مرور الوقت، انتقل من التجارب التجارية المبكرة إلى القطاع المالي، حيث تشكلت خبرته عبر العمل في البنوك وشركات كبرى، قبل أن يجد نفسه أمام فرصة مختلفة: توظيف التكنولوجيا لتقديم خدمات مالية أكثر مرونة للمستهلكين.
من الائتمان المصرفي إلى الاستثمار
امتدت خبرة حسونة في القطاع المالي لأكثر من 25 عاما، بدأ خلالها العمل في بنك مصر الدولي، ثم انتقل إلى شركة «فايزر» العالمية في مجال التقارير وتحليل الأعمال، قبل العودة إلى القطاع المصرفي عبر بنك مصر وبنك عوده مصر.
وفي بنك عوده، تولى عام 2011 رئاسة قطاع التمويل الهيكلي والاستثمار والتمويل الإسلامي، وهي محطة عززت خبرته في التمويل وترتيب الصفقات والتعامل مع احتياجات الشركات الاستثمارية.
وبعد سنوات من العمل المصرفي، انضم إلى مجموعة إي إف چي القابضة عام 2016، ليتولى قيادة قطاع التمويل غير المصرفي. وهناك اتسع نطاق مسئولياته ليشمل أنشطة متنوعة، من التخصيم والمدفوعات الإلكترونية إلى التمويل العقاري والتأمين والاستثمار في شركات التكنولوجيا المالية الناشئة.
كانت تلك المرحلة نقطة تحول مهمة؛ إذ انتقل حسونة من إدارة أنشطة مالية تقليدية إلى المشاركة في تطوير خدمات ونماذج أعمال جديدة، تعتمد على التكنولوجيا وتستهدف شرائح أوسع من العملاء.
«ڤاليو».. فكرة تتجاوز التقسيط التقليدي
في عام 2017، بدأت «ڤاليو» نشاطها في السوق المصرية، مستندة إلى نموذج الشراء الآن والدفع لاحقا، الذي يتيح للعملاء شراء السلع والخدمات وسداد قيمتها على أقساط وفقا للخطط المتاحة.
كانت الفكرة قائمة على تقليل التعقيدات التي قد تواجه العميل عند الحصول على تمويل، وتسريع إجراءات التقييم، وتوفير تجربة رقمية أكثر سهولة. لكن تحويلها إلى نشاط قابل للتوسع تطلب أكثر من مجرد تطبيق إلكتروني؛ فقد احتاج إلى بناء شبكة من التجار، وتطوير أنظمة لإدارة المخاطر، وتوفير بنية تكنولوجية تستوعب نمو المعاملات.
وكان حسونة من القيادات التي دفعت نحو تأسيس الشركة وتطوير نموذجها، مستفيدا من خبرته المصرفية وفهمه لقطاع التمويل غير المصرفي، إلى جانب فريق عمل تولى تحويل الفكرة إلى منتج فعلي في السوق.
وفي عام 2020، حصلت «ڤاليو» على ترخيص مزاولة نشاط التمويل الاستهلاكي من الهيئة العامة للرقابة المالية، وهو ما عزز إطارها التنظيمي ومهد لمراحل جديدة من التوسع.
من منتج واحد إلى منظومة للخدمات المالية
لم تتوقف رحلة الشركة عند إتاحة الشراء بالتقسيط، بل اتجهت إلى توسيع محفظة خدماتها لتشمل حلولا للدفع المرن ومنتجات نقدية وخدمات تأمينية تقدم عبر شركاء، إلى جانب منتجات مالية واستثمارية أخرى.
وفي يوليو 2022، انتقل حسونة إلى التركيز بصورة كاملة على منصبه رئيسا تنفيذيا لـ«ڤاليو»، بعدما كان يتولى قيادة قطاع التمويل غير المصرفي بمجموعة إي إف چي القابضة. وجاءت الخطوة في وقت كانت الشركة توسع فيه شبكة شركائها وتضيف منتجات جديدة إلى خدماتها.
ومع اتساع نشاطها، أصبحت إدارة المخاطر والتكنولوجيا وتجربة العميل عناصر أساسية في نموذج العمل. فالتمويل الرقمي لا يقوم على سرعة الموافقة وحدها، بل يتطلب أيضا تقييم قدرة العملاء على السداد، وتحقيق التوازن بين توسيع الوصول إلى التمويل والحفاظ على استدامة النشاط.
وفي مقابلة مع «EnterpriseAM» في يونيو 2025، تحدث حسونة عن استراتيجية الشركة التي تجمع بين النمو والربحية والابتكار، مشيرا إلى أن «ڤاليو» حققت أرباحا منذ عام 2020، وفقا لتصريحاته المنشورة. كما أوضح أن المرحلة المقبلة تستهدف توسيع نطاق المنتجات والخدمات، بدلا من الاكتفاء بحل تمويلي واحد.
البورصة.. محطة جديدة في رحلة الشركة
جاء إدراج «ڤاليو» في البورصة المصرية عام 2025 ليشكل محطة رئيسية في تطورها المؤسسي. فبعد سنوات من العمل ضمن مجموعة إي إف چي القابضة، أصبحت الشركة كيانا مدرجا يتعين عليه الالتزام بمتطلبات الإفصاح والشفافية والحوكمة أمام المساهمين والسوق.
ولم يكن الإدراج نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة مختلفة تتطلب موازنة طموحات التوسع مع متطلبات السوق، والحفاظ على كفاءة التشغيل، وتعزيز ثقة المستثمرين في قدرة الشركة على مواصلة النمو.
وبحسب بيانات نشرتها «فوربس الشرق الأوسط»، بلغ عدد مستخدمي «ڤاليو» النشطين أكثر من 700 ألف مستخدم في بيانات عام 2025، فيما أعلنت الشركة في سبتمبر 2026 تجاوز قاعدة مستخدميها المسجلين مليون مستخدم، مع شبكة تضم آلاف التجار والشركاء في قطاعات متعددة.
كما اتجهت الشركة إلى التوسع الإقليمي، بإطلاق خدماتها في الأردن في مايو 2026، بعد الحصول على الموافقة النهائية من البنك المركزي الأردني، في خطوة لاختبار نموذج أعمالها خارج السوق المصرية.
تجديد الثقة.. وتحديات المرحلة المقبلة
في سبتمبر 2026، جدد مجلس إدارة «ڤاليو» ولجنة الترشيحات والمكافآت تعاقد حسونة وأعضاء اللجنة التنفيذية لمدة 3 سنوات إضافية، في إشارة إلى استمرار الاعتماد على الفريق القيادي خلال المرحلة التالية من نمو الشركة.
وتواجه «ڤاليو»، شأنها شأن شركات التمويل، تحديات تتعلق بتكلفة التمويل ومخاطر الائتمان والمنافسة وتغير احتياجات العملاء. كما أن تحولها إلى شركة مدرجة يضيف مسئوليات تتصل بالحوكمة والإفصاح وتحقيق قيمة مستدامة للمساهمين، بالتوازي مع تقديم خدمات تناسب العملاء والتجار.
من هنا، لا تختزل قصة وليد حسونة في الانتقال من تجارة الكتب إلى قيادة شركة مالية، بل في مسار تراكمي جمع بين الخبرة المصرفية وفهم التمويل غير المصرفي والمشاركة في بناء نموذج رقمي جديد.
فالتجربة التي بدأت من نشاط تجاري بسيط مرت بمحطات مهنية متعددة، قبل أن تصل إلى شركة تخدم أكثر من مليون مستخدم مسجل وتعمل على توسيع حضورها الإقليمي. وبين البداية المتواضعة والكيان المدرج في البورصة، تبقى المرحلة المقبلة الاختبار الأهم: قدرة «ڤاليو» على الحفاظ على نموها وتطوير خدماتها وإدارة مخاطرها في سوق مالية سريعة التغير.
ولعل الدرس الاقتصادي الأبرز في هذه الرحلة أن الفكرة وحدها لا تصنع شركة ناجحة؛ فاستدامة النمو تحتاج إلى خبرة، وفريق قادر على التنفيذ، ونموذج عمل قابل للتطوير، وانضباط مالي يحافظ على التوازن بين التوسع والمخاطر.





