الدكتور علاء خليل يكتب: حين تُختصر دراسة الطب في PDF.. نخشى على مستقبل المريض قبل الطبيب

رسالتي إلى أولياء أمور طلاب كليات الطب في مصرابنكم لا يحتاج إلى «مذكرة للامتحان» فقط.. بل يحتاج إلى «مرجع يصنع طبيبًا»
أناشدكم أن تهتموا بتوفير المراجع والكتب الطبية العالمية المعروفة لأبنائكم في مختلف سنوات الدراسة والتخصصات، وألا يكون اعتمادهم الأساسي على المذكرات المختصرة وملفات الـPDF التي تنتهي علاقتها بالطالب بمجرد انتهاء الموديول أو الامتحان.
طالب الطب يختلف عن أي طالب آخر. فالمعلومة التي يدرسها اليوم قد يحتاج إليها بعد سنوات، عندما يقف أمام مريض ويكون مطالبًا بفهم حالته وتشخيص مرضه واتخاذ القرار الصحيح.
ومن هنا، فإن فكرة «خلصنا الموديول.. خلاص ننسى ونبدأ اللي بعده» ليست مجرد مشكلة في المذاكرة، وإنما قد تكون مشكلة حقيقية في تكوين الطبيب نفسه.
وقد دار بيني وبين طالبة طب أنهت عامها الثاني وانتقلت إلى العام الثالث حديث جعلني أشعر بالقلق. أخبرتني أن الدراسة تعتمد بدرجة كبيرة على ملفات PDF ومذكرات صغيرة ومختصرة جدًا، وأن الطالب بمجرد انتهاء الموديول لا يعود إليها، بل ينتقل إلى موضوع جديد، حتى إنها لا تتذكر كثيرًا مما درسته في الموديولات السابقة.
وهنا السؤال: هل نريد طالبًا يجتاز الامتحان، أم طبيبًا يمتلك أساسًا علميًا يستطيع الاعتماد عليه طوال حياته؟
أتذكر كيف كنا ندرس الطب في الماضي. كنا نبحث عن أمهات الكتب والمراجع العلمية الكبيرة، وكان أساتذتنا يحرصون على أن نرجع إلى الكتاب ونقرأ منه، لا أن نكتفي بالملخص.
كنا ندخل المشرحة ومعنا أطالس التشريح العالمية، ونقارن ما نراه أمامنا بما هو موجود في الكتاب. وكنا ندرس الفسيولوجي والكيمياء الحيوية والباثولوجي وغيرها من العلوم الطبية من مراجع كبيرة وضعها علماء متخصصون، فتجد أمامك المعلومة كاملة، وتفهم تفاصيلها، وتربط بينها وبين غيرها.
كانت المعلومة علمًا نعيش معه، وليست سطرًا نحفظه من أجل الامتحان.
وفي ذلك الوقت لم يكن الإنترنت موجودًا كما هو اليوم، ولم تكن المراجع متاحة بضغطة زر. كنا نذهب إلى سور الأزبكية ونبحث عن الكتب الطبية القديمة، ونشتري ما نستطيع، ونقرأه ونحتفظ به.
أما اليوم، فالمشكلة مختلفة؛ فالمراجع العلمية العالمية أصبحت متاحة للطالب بصورة أسهل بكثير.
فلماذا نكتفي بالقشور ولدينا إمكانية الوصول إلى العلم الكامل؟
لا أحد ينكر أهمية المذكرات والملخصات؛ فهي مفيدة للمراجعة وتنظيم المعلومات والاستعداد للامتحانات، ولكنها يجب أن تكون وسيلة مساعدة وليست المصدر الوحيد للمعرفة الطبية.
فالكتاب والمرجع يساعدان الطالب على فهم المعلومة، ومعرفة تفاصيلها، والربط بين العلوم المختلفة، والرجوع إلى مصدر موثوق، وبناء عقلية علمية قادرة على البحث والتحليل، ومتابعة التطورات المستمرة في الطب.
ولهذا أقول لكل ولي أمر:
لا تجعل سؤالك لابنك أو ابنتك مقتصرًا على:
«جبت كام في الامتحان؟»
بل اسأل أيضًا:
«بتذاكر من أي كتاب؟»
«إيه المرجع الأساسي للمادة؟»
«لو قابلتك معلومة مش فاهمها، هترجع لأنهي مصدر؟»
ساعدوا أبناءكم على بناء مكتبة طبية صغيرة منذ سنوات الدراسة الأولى. ليس المطلوب شراء عشرات الكتب، وإنما أن يكون لكل مادة أساسية مرجع علمي معروف وموثوق، إلى جانب المذكرات والمراجعات.
لأن الطالب الذي يتخرج وهو يمتلك قاعدة علمية قوية، وتعود على القراءة والبحث والرجوع إلى المصادر، سيكون أكثر قدرة على التعلم والتطور طوال حياته المهنية.
فالطبيب لا تنتهي دراسته يوم التخرج.. بل تبدأ رحلة التعلم الحقيقي بعد التخرج.
رسالتي ليست هجومًا على جامعة أو أستاذ أو نظام تعليمي، وإنما هي دعوة إلى الاهتمام بنوعية المعرفة التي يحصل عليها طالب الطب.
نحن لا نريد طبيبًا يحفظ فقط، وإنما طبيبًا يفهم ويقرأ ويبحث ويعرف كيف يصل إلى المعلومة الصحيحة.
لا نريد أن يكون هدف الطالب:
«خلصت الموديول ونجحت».
بل نريده أن يقول:
«أنا لسه بتعلم.. ولسه بقرأ.. ولسه بدور على المعلومة الصحيحة».
لأن الطب ليس امتحانًا ينتهي، والمعلومة الطبية ليست مجرد درجة يحصل عليها الطالب في ورقة.
الطب مسؤولية.. والمعلومة الطبية أمانة.. والطبيب الذي سيقف أمام المريض غدًا يجب أن يكون قد أعد نفسه جيدًا منذ اليوم.
يا أولياء الأمور.. لا تبخلوا على أبنائكم بالكتاب.
فقد يكون الكتاب الذي تشتريه لابنك اليوم رفيقًا له لسنوات، وقد يجد فيه يومًا معلومة يحتاج إليها لإنقاذ حياة إنسان.





