بلومبرج: مصر تراهن على السياحة العلاجية.. 34 مليار دولار سوقا عالمية والأقصر في قلب المنافسة

تسعى مصر إلى تعزيز حضورها على خريطة السياحة العلاجية العالمية وزيادة حصتها من سوق تقدر قيمته بنحو 34 مليار دولار، مستفيدة من إرث تاريخي طويل في مجالات الطب والاستشفاء، وموقع جغرافي يربط بين 3 قارات، إلى جانب تطور قطاع الضيافة والبنية التحتية الطبية، وفقا لتقرير نشرته وكالة “بلومبرج”.

وسلط التقرير الضوء بصورة خاصة على مدينة الأقصر، التي ارتبط اسمها بالسياحة العلاجية منذ القرن التاسع عشر، عندما قصدها عدد كبير من الزوار، خاصة من بريطانيا والولايات المتحدة، للاستفادة من مناخها الجاف والدافئ في علاج أمراض الجهاز التنفسي.

وتشير “بلومبرج” إلى أن المقومات التاريخية والجغرافية والسياحية لمصر تمنحها فرصة للتوسع في سوق السياحة العلاجية، خاصة مع تطوير الخدمات الصحية المقدمة للمرضى الدوليين، بداية من العمليات الجراحية الكبرى ووصولا إلى علاجات الأسنان والجراحات التجميلية.

الأقصر في قلب خريطة السياحة العلاجية

تحتل الأقصر موقعا محوريا في خطط تطوير السياحة العلاجية، مستفيدة من شهرتها العالمية كمقصد سياحي وأثري، وما تضمه من مواقع تاريخية بارزة مثل معبد الكرنك ووادي الملوك.

وبحسب تقرير “بلومبرج”، ارتبطت المدينة منذ القرن التاسع عشر باستقبال زوار كانوا يبحثون عن الاستشفاء والاستفادة من طبيعتها المناخية، وهو ما يمنحها ميزة إضافية في نموذج يجمع بين تلقي العلاج والاستمتاع بالمقومات السياحية والثقافية.

وتعمل الهيئة العامة للرعاية الصحية على تطوير شبكة متخصصة للسياحة العلاجية في عدد من الوجهات السياحية، بينها الأقصر وأسوان وساحل البحر الأحمر، بما يسمح باستغلال المقومات السياحية بالتوازي مع الخدمات الطبية المتخصصة.

وتضم الأقصر، وفقا للبيانات التي أوردها التقرير، 6 مستشفيات تقدم خدمات طبية متخصصة، إلى جانب أجنحة فندقية ومرافق في تخصصات تشمل النساء والتوليد وطب الأطفال والأشعة.

5 آلاف منشأة وموقع طبي جديد

وتخطط الهيئة العامة للرعاية الصحية لإضافة 5 آلاف منشأة وموقع طبي جديد خلال السنوات الـ6 المقبلة، من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص، في إطار خطط توسيع الطاقة الاستيعابية وتطوير الخدمات الموجهة إلى المرضى الدوليين.

كما تتوقع الهيئة أن تتجاوز الإيرادات الناتجة عن الزيارات الطبية 6 ملايين دولار خلال 2026، مقابل 3.8 مليون دولار في 2025، مع تسجيل ما يقرب من 8 آلاف مريض أجنبي حتى يوليو، وفقا لما نقلته “بلومبرج”.

وتعمل الهيئة حاليا على إدارة شبكة واسعة من المنشآت الصحية، فيما أظهرت بيانات رسمية منشورة في 2026 أن عدد المنشآت التابعة لها بلغ 335 منشأة في إطار منظومة التأمين الصحي الشامل، بينها 289 مركزا ووحدة وعيادة شاملة و46 مستشفى.

13.3 ألف مريض أجنبي في عام

وأظهرت البيانات التي شاركتها الهيئة مع “بلومبرج” أن منشآت الرعاية الصحية المصرية استقبلت العام الماضي نحو 13 ألفا و370 مريضا أجنبيا، مقابل 2075 مريضا في 2022.

وشملت قاعدة المرضى نحو 124 جنسية من دول عربية وإفريقية وآسيوية وأوروبية وأمريكية، بما يعكس اتساع نطاق الأسواق التي تستهدفها خدمات السياحة العلاجية المصرية.

ويتركز جانب من خطط التوسع على التخصصات والعمليات ذات الطلب المرتفع، ومنها جراحات القلب والأوعية الدموية، وجراحات السمنة، والجراحات التجميلية، وخدمات الإخصاب المساعد، إلى جانب خدمات الأسنان المتقدمة.

من العلاج إلى تجربة سياحية متكاملة

وقال الدكتور أحمد السبكي، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرعاية الصحية، وفقا لما نقلته “بلومبرج”، إن مصر تمتلك فرصة للجمع بين السياحة العلاجية والسياحة التقليدية، بما يتيح للمرضى الدوليين الحصول على خدمات رعاية صحية متقدمة والاستفادة في الوقت نفسه من المقومات التاريخية والثقافية والترفيهية التي تتمتع بها البلاد.

ويعني هذا النموذج توسيع القيمة الاقتصادية للزيارة الطبية، بحيث لا تقتصر على تكلفة الخدمة الصحية، وإنما تمتد إلى الإقامة الفندقية والنقل والخدمات السياحية والأنشطة الترفيهية، بما يخلق سلسلة من الأنشطة المرتبطة بالإنفاق السياحي.

وتستهدف مصر من خلال هذا النموذج تحويل المزايا الطبية والسياحية إلى حزمة واحدة يمكن تسويقها للأسواق الخارجية، خصوصا في التخصصات التي تتمتع فيها المنشآت المصرية بقدرات وخبرات قابلة للتسويق الدولي.

منصات رقمية لجذب المرضى الدوليين

وشهد 2026 توسعا في البنية الرقمية المرتبطة بالسياحة العلاجية، إذ أطلقت وزارة الصحة والسكان في أغسطس منصة “Tour4Cure”، التي تتيح للمريض القادم من الخارج إدارة رحلة العلاج عبر منصة رقمية واحدة، بداية من التسجيل واختيار مقدم الخدمة، مرورا بترتيبات السفر والعلاج والإقامة، وصولا إلى المتابعة بعد تلقي الخدمة.

وخلال المرحلة التجريبية، تعاملت المنصة مع نحو 250 حالة، وسجلت نسبة رضا تجاوزت 90%، مع خطط للتوسع في الأسواق الإفريقية والخليجية والأوروبية.

كما أطلقت الهيئة العامة للرعاية الصحية مشروع “نرعاك في مصر – In Egypt We Care” عبر منصات رقمية رسمية، بهدف دعم استقطاب المرضى الدوليين وتقديم تجربة علاجية متكاملة تعتمد على الخدمات الطبية والبنية التحتية الرقمية.

وفي أغسطس 2026، أعلنت الحكومة كذلك مبادرة “علاجك في مصر”، التي تتضمن منظومة رقمية موحدة تتيح الوصول إلى شبكة من المستشفيات والمراكز الطبية المعتمدة، والاستشارات الطبية عن بعد والحجز المسبق للخدمات الطبية والإجراءات العلاجية.

8 ملايين دولار إيرادات وفق بيانات أحدث

وتشير بيانات رسمية أخرى صدرت في مارس 2026 إلى تطور أكبر في مؤشرات مشروع السياحة العلاجية لدى الهيئة العامة للرعاية الصحية؛ إذ أعلن أحمد السبكي تحقيق إيرادات بلغت نحو 8 ملايين دولار، وتقديم خدمات طبية وعلاجية لنحو 35 ألف سائح علاجي من 124 دولة.

كما أعلنت الهيئة أن إيرادات السياحة العلاجية خلال 2025 بلغت نحو 3.7 مليون دولار، بزيادة 76.67% مقارنة بـ2024.

وتوضح هذه البيانات أن الأرقام الخاصة بالسياحة العلاجية تختلف بحسب الفترة الزمنية ونطاق الخدمات والمنشآت التي تشملها كل إحصائية، وهو ما يجعل المقارنة المباشرة بين أرقام تقارير مختلفة بحاجة إلى مراعاة تاريخ القياس والجهة التي أصدرت البيانات.

السياحة العلاجية كقطاع اقتصادي

وتتحرك مصر في هذا الملف عبر أكثر من مسار، يبدأ بتطوير المنشآت والخدمات الطبية، ويمتد إلى بناء منصات رقمية لاستقبال المرضى الدوليين، وتوفير ترتيبات السفر والإقامة، وتطوير حزم علاجية في تخصصات ذات طلب مرتفع، إلى جانب الاستفادة من المقومات السياحية التي تميز المدن المصرية.

ويعزز هذا النموذج فرص زيادة الإنفاق السياحي داخل مصر، من خلال الجمع بين تكلفة الخدمات الطبية وإيرادات الفنادق والنقل والخدمات السياحية والأنشطة المرتبطة بإقامة المريض ومرافقيه.

وفي ظل تقديرات “بلومبرج” لحجم سوق السياحة العلاجية العالمية عند نحو 34 مليار دولار، تستهدف مصر توسيع حضورها في هذا النشاط عبر توظيف موقعها الجغرافي، والبنية الطبية المتنامية، والمقومات السياحية والتاريخية، بما يجعل السياحة العلاجية أحد الأنشطة القابلة للنمو داخل قطاع الخدمات والسياحة خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى