المصانع المتعثرة تتحول إلى فرص استثمارية.. 12 ألف منشأة و4800 وحدة صناعية على خريطة إعادة التشغيل

تتجه وزارة الصناعة إلى إعادة توظيف المصانع المتعثرة وتحويلها من أصول صناعية معطلة إلى فرص استثمارية قابلة لإعادة التشغيل، من خلال إتاحة الأراضي والمباني وخطوط الإنتاج القائمة أمام مستثمرين جدد عبر المنظومة الرقمية للوزارة، بما يستهدف الاستفادة من الإمكانات الصناعية المتوافرة بالفعل وتقليص الوقت والتكلفة اللازمين لبدء النشاط، وإعادة الطاقات الإنتاجية المتوقفة إلى السوق.
وخلال يوليو الماضي، أعلن وزير الصناعة إتاحة المصانع المتعثرة كفرص استثمارية عبر المنظومة الرقمية الجديدة للوزارة، بما يسمح للمستثمر بالتعرف على الأصول المتاحة واختيار الفرص التي تتناسب مع طبيعة نشاطه، في خطوة تستهدف التعامل مع المصانع المتوقفة باعتبارها أصولا يمكن إعادة تشغيلها وتطويرها بدلا من تركها خارج دائرة الإنتاج.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية اقتصادية من امتلاك بعض المصانع المتوقفة عناصر إنتاج قائمة بالفعل، تشمل الأراضي والمباني والمعدات والآلات، إلى جانب رخص التشغيل في بعض الحالات، وهو ما قد يختصر مراحل زمنية وتكاليف استثمارية مقارنة بإنشاء مصنع جديد من البداية.
12 ألف مصنع تنتظر الحسم
يأتي هذا التحرك في وقت لا يزال فيه الحجم الفعلي لظاهرة تعثر المصانع بحاجة إلى حصر رسمي شامل، إذ تعمل وزارة الصناعة على إعداد قاعدة بيانات للمصانع المتوقفة، تتضمن أسباب التعثر وطبيعة المشكلات التي تواجه كل مصنع، تمهيدا لتحديد آلية التعامل مع كل حالة وفقا لظروفها الفنية والقانونية والمالية.
وتشير تقديرات منظمات وجمعيات الأعمال إلى وجود نحو 12 ألف مصنع متعثر، وفقا لتصريحات محمد جنيدي، نقيب النقابة العامة للمستثمرين الصناعيين، الذي يرى أن إعادة تشغيل هذه المصانع يمكن أن تمثل مسارا أسرع لزيادة الإنتاج المحلي والصادرات وتوفير فرص العمل مقارنة بإنشاء مصانع جديدة.
ويظل رقم 12 ألف مصنع تقديريا، وليس حصرا حكوميا نهائيا، ما يجعل استكمال قاعدة البيانات الرسمية خطوة أساسية لتحديد الحجم الحقيقي للمشكلة، وكذلك عدد المصانع التي يمكن تحويلها إلى فرص استثمارية قابلة لإعادة التشغيل.
من “مصنع متعثر” إلى “أصل استثماري”
وتتجاوز الرؤية الجديدة فكرة إنقاذ المصنع المتعثر إلى إعادة توظيف أصوله الصناعية، إذ يمكن للمستثمر الباحث عن فرصة صناعية الوصول إلى مصنع قائم بالفعل، ثم إعادة تشغيله أو تطويره بما يتناسب مع احتياجات نشاطه، وفقا لحالة المصنع وإمكاناته.
وتوفر المصانع القائمة ميزة اختصار جزء من دورة تأسيس النشاط الصناعي، إذ إن إنشاء مصنع جديد يتطلب شراء أو تخصيص الأرض، وإنشاء المباني، وتوصيل المرافق، وتركيب خطوط الإنتاج، واستكمال التراخيص والإجراءات اللازمة، بينما قد يتيح المصنع القائم تجاوز بعض هذه المراحل، بحسب حالته القانونية والفنية.
وتسعى وزارة الصناعة إلى التعامل مع كل حالة بصورة منفصلة، بحيث يحدد الحل وفقا لطبيعة التعثر وإمكانات الأصل الصناعي، سواء من خلال إعادة التشغيل، أو دخول مستثمر جديد، أو إعادة طرح المصنع للاستثمار، بما يضمن توجيه الأصول إلى الاستخدام الأكثر قدرة على استعادة النشاط الإنتاجي.
4800 وحدة صناعية جاهزة
ويتزامن ملف المصانع المتعثرة مع خطة أوسع لزيادة المعروض من الوحدات الصناعية الجاهزة أمام المستثمرين، إذ أعلنت وزارة الصناعة إتاحة أكثر من 4800 وحدة بنظام “Plug and Play”، إلى جانب طرح 9 آليات للحصول على الأراضي الصناعية، من بينها التمليك وحق الانتفاع والإيجار المنتهي بالتملك.
كما تستهدف الوزارة زيادة عدد المطورين الصناعيين إلى 30 مطورا، مقابل نحو 16 مطورا حاليا، بما يوسع قاعدة الأراضي والوحدات الصناعية المتاحة أمام المستثمرين، ويسهم في تقليص الفترة الفاصلة بين الحصول على الموقع وبدء الإنتاج.
وتكتسب إعادة تشغيل المصانع المتعثرة أهمية أكبر مع توجه الدولة إلى تعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات، خصوصا في قطاعات الملابس والمنسوجات، والصناعات الغذائية، والسيارات، والصناعات الكهربائية والهندسية، والإلكترونيات والأدوية، وهي قطاعات ترتبط بسلاسل توريد واسعة ويمكن أن تستفيد من إعادة تشغيل الطاقات الإنتاجية القائمة.
فعودة مصنع قائم إلى العمل لا تعني استغلال الأرض والآلات فقط، وإنما تمتد إلى الحفاظ على العمالة والخبرات المتراكمة، ورفع معدلات استغلال الطاقة الإنتاجية، وإعادة دمج المصنع في سلاسل الإمداد المحلية، وتحويل أصول مجمدة إلى قيمة اقتصادية جديدة.
ويبقى نجاح التجربة مرتبطا بدرجة كبيرة بدقة المعلومات التي تطرح أمام المستثمر؛ إذ إن عرض مصنع متعثر دون كشف واضح عن حالته الفنية والقانونية والمالية قد يحول الفرصة الاستثمارية إلى مخاطرة، ولذلك تبرز أهمية أن تتضمن قاعدة البيانات بيانات تفصيلية عن مساحة المصنع، وحالة المباني والمعدات، والمرافق والتراخيص، والموقف القانوني والمالي، وحجم التمويل المطلوب لإعادة التشغيل.
ومع اكتمال الحصر الرسمي وتوفير البيانات اللازمة، يمكن أن يتحول ملف المصانع المتعثرة من عبء على الأصول الصناعية إلى سوق جديدة للفرص الاستثمارية الجاهزة، تمنح المستثمر إمكانية الوصول إلى الإنتاج خلال فترة أقصر، وفي الوقت نفسه تتيح للدولة استعادة الطاقات المعطلة وزيادة التشغيل والإنتاج وتعزيز القدرة على التصدير.





