تويوتا تقترب من إعادة رسم خريطة أعمالها في الصين.. فائض الإنتاج وحرب الأسعار يضغطان على الشراكات الأجنبية

تقترب صناعة السيارات الصينية من مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة، مع تصاعد الضغوط الناتجة عن تباطؤ السوق والمنافسة السعرية الحادة وفائض الطاقة الإنتاجية، وهو ما بدأ يفرض تغييرات على نماذج الشراكة التقليدية بين شركات السيارات الأجنبية والمحلية.
وتبرز شركة “تويوتا” اليابانية في قلب هذه التحولات، مع مؤشرات على إمكانية إعادة تنظيم عمليتيها الرئيسيتين في السوق الصينية، في خطوة قد تعكس تغيرا في طبيعة الشراكات التي اعتمدت عليها شركات السيارات الأجنبية لعقود من أجل التوسع في أكبر سوق للسيارات في العالم.
وبحسب ما نقلته “رويترز”، أعلنت مجموعة جوانجزو أوتوموبيل (GAC) الإثنين اعتزامها الاستحواذ على جزء من حصة مجموعة FAW في مشروع مشترك مع شركة سيارات مدرجة خارج الصين، فيما أفادت وسائل إعلام حكومية صينية بأن الصفقة تتعلق بشركة FAW Toyota، بما قد يمهد الطريق أمام مزيد من الدمج بين عمليات تويوتا في السوق الصينية.
أكثر من 100 علامة تجارية تحت ضغط فائض الإنتاج
تواجه صناعة السيارات الصينية، الأكبر عالميا، تداعيات سنوات من التوسع السريع في الإنتاج، ما أدى إلى تراكم طاقات إنتاجية كبيرة ووجود أكثر من 100 علامة تجارية متنافسة في السوق.
ويرى محللون أن الصفقة المقترحة بين GAC وFAW قد تكون مؤشرا على اتجاه أوسع نحو إعادة هيكلة صناعة السيارات الصينية، خاصة في ظل تراجع الجدوى الاقتصادية لاستمرار شبكات تشغيل متوازية في سوق يعاني فائضا في القدرات الإنتاجية.
وقالت S&P Global Ratings إن صناعة السيارات تواجه منذ فترة ضغوطا ناتجة عن منافسة تؤدي إلى خسائر، مشيرة إلى أن ضعف الطلب وفائض الطاقة الإنتاجية والتحول السريع نحو السيارات الكهربائية يمثلون تحديات أمام شركات السيارات المملوكة للدولة ومشروعاتها المشتركة مع الشركات الأجنبية.
وتوقعت المؤسسة موجة أوسع من إعادة هيكلة القطاع خلال العامين إلى الأعوام الثلاثة المقبلة، في ظل الحاجة إلى إعادة ضبط القدرات الإنتاجية والهياكل التشغيلية بما يتناسب مع واقع السوق الجديد.
تويوتا تعيد النظر في نموذج التشغيل
اعتمدت تويوتا على مدار عقود على شراكتين منفصلتين في الصين، الأولى مع FAW في شمال البلاد، والثانية مع GAC في الجنوب، وهو النموذج الذي ساعد الشركة اليابانية على بناء قاعدة إنتاج ومبيعات كبيرة خلال سنوات النمو القوي للسوق الصينية.
لكن تباطؤ نمو السوق، إلى جانب اشتداد المنافسة والتحول المتسارع إلى السيارات الكهربائية، فرض ضغوطا متزايدة على شركات السيارات الأجنبية، وأثار تساؤلات حول جدوى استمرار عمليتين متوازيتين في السوق نفسها.
وقال بيل روسو، مؤسس شركة الاستشارات الصينية Automobility، إن دمج العمليات يحمل منطقا صناعيا، إذ يمكن لتويوتا من خلاله تحسين كفاءة المبيعات والتوزيع وتقليص الاستثمارات المتداخلة.
وفي المقابل، أشار روسو إلى أن تحسين الكفاءة التشغيلية وحده لن يكون كافيا لمعالجة كل التحديات التي تواجه شركات السيارات الأجنبية في الصين، في ظل تراجع قدرتها التنافسية في بعض تقنيات المنتجات التي يركز عليها المستهلكون.
العلامات الصينية توسع حضورها
وشهدت السنوات الخمس الماضية تحولا واضحا في خريطة سوق السيارات الصينية، مع تراجع حصة شركات السيارات الأجنبية لصالح علامات محلية مثل BYD وجيلي وشيري.
وطورت الشركات الصينية قدراتها في السيارات الكهربائية والهجينة بوتيرة سريعة، بالتزامن مع توسعها في الأسواق الخارجية، ما زاد من حدة المنافسة أمام شركات السيارات العالمية التي كانت تتمتع بحضور قوي في السوق الصينية.
واستحوذت مشروعات تويوتا المشتركة في الصين على 7% من مبيعات سيارات الركوب خلال أول 8 أشهر من العام، وفقا لبيانات جمعية سيارات الركوب الصينية، لتأتي خلف BYD وجيلي وفولكسفاجن، مقارنة باحتلال الشركتين المركز الثاني في 2021 خلف فولكسفاجن مباشرة.
وانعكس تراجع المبيعات والضغوط التشغيلية أيضا على شبكات التوزيع، إذ انخفض عدد معارض موزعي FAW Toyota بأكثر من 15% إلى 651 معرضا خلال العام، مقارنة بذروة بلغت 773 متجرا في 2022.
كما تراجعت شبكة GAC Toyota بأكثر من 10% إلى 620 وكيلا، مقابل 693 وكيلا خلال الفترة نفسها.
حرب أسعار تضغط على هوامش الشركات
ولا تقتصر تحديات شركات السيارات الأجنبية في الصين على المنافسة مع العلامات المحلية، إذ تواجه السوق حرب أسعار شرسة ارتبطت بسنوات من الاستثمار وزيادة القدرات الإنتاجية، وهو ما ضغط بقوة على هوامش أرباح الشركات العاملة في القطاع.
وأظهرت بيانات رسمية تراجع هامش أرباح قطاع تصنيع السيارات إلى 1.5%، وهو أدنى مستوى في نحو عقد، بالتزامن مع استمرار التحذيرات الحكومية الصينية من تداعيات فائض الإنتاج وحرب الأسعار.
وأعادت أعلى جهة للتخطيط الاقتصادي في الصين الأسبوع الماضي التأكيد على دعم عمليات الاندماج وإعادة الهيكلة بين شركات السيارات الكبرى، في إشارة إلى توجه نحو معالجة الاختلالات الناتجة عن فائض القدرات وتشابك الهياكل الإنتاجية.
وامتدت الضغوط إلى شركات عالمية أخرى، إذ قلصت هوندا ونيسان إنتاجهما في الصين مع تراجع المبيعات، بينما أوقفت ميتسوبيشي موتورز إنتاج السيارات في البلاد بالكامل، بما يعكس اتساع التحديات التي تواجه نموذج الشراكات الأجنبية التقليدي.
الكفاءة وخفض التكلفة في مقدمة الأولويات
وقالت تشو شياويينج، مؤسسة منصة Gasgoo لسلاسل توريد السيارات، إن أولويات القطاع تتغير مع دخوله مرحلة جديدة، لتصبح سرعة اتخاذ القرار وخفض التكاليف وتوحيد استراتيجية السوق عوامل أكثر أهمية مقارنة بالتوسع عبر هياكل تشغيل متعددة.
وتشير هذه التحولات إلى أن شركات السيارات الأجنبية العاملة في الصين تواجه حاجة متزايدة إلى إعادة تقييم هياكلها التشغيلية، في وقت أصبحت فيه المنافسة تعتمد بدرجة أكبر على سرعة تطوير المنتجات، وكفاءة التكلفة، والقدرة على مواكبة التحول نحو السيارات الكهربائية.
وفي حالة تويوتا، قد يمثل أي تغيير في هيكل شراكاتها بالصين خطوة ضمن عملية أوسع لإعادة تنظيم حضورها في السوق، في ظل تغير معادلة المنافسة وتزايد الضغوط على نماذج الإنتاج والتوزيع التي تأسست خلال فترة النمو السريع لصناعة السيارات الصينية.





