540 قطعة أرض صناعية بنظام الإيجار المنتهي بالتملك.. هل تحرر السيولة وتخفض تكلفة دخول المستثمرين؟

فتحت هيئة التنمية الصناعية مسارًا جديدًا أمام المستثمرين لتخفيف تكلفة الدخول إلى النشاط الصناعي، من خلال طرح 540 قطعة أرض بنظام “الإيجار المنتهي بالتملك”، في خطوة تستهدف تخفيف الضغوط التمويلية التي تواجه المستثمرين في المراحل الأولى من تأسيس المشروعات، وإتاحة توجيه جزء أكبر من السيولة إلى إنشاء المصانع وشراء الآلات والمعدات وتوفير رأس المال العامل.
ويتيح النظام للمستثمر الانتفاع بالأرض مقابل سداد قيمة إيجارية على فترة تمتد إلى 21 عامًا، قبل الانتقال إلى مرحلة التملك وفق ضوابط محددة، وهو ما يمثل تحولًا في آليات إتاحة الأراضي الصناعية، خاصة للمستثمرين الذين تواجههم صعوبة في تدبير قيمة الأرض بالكامل قبل بدء التشغيل.
وتتوزع الأراضي المطروحة على 20 منطقة صناعية في 15 محافظة، بإجمالي مساحة تتجاوز 5.7 مليون متر مربع، وتستهدف مجموعة واسعة من الأنشطة، في مقدمتها الصناعات الهندسية والغذائية والغزل والنسيج والكيماويات والأدوية والتعدين ومواد البناء.
وتتصدر الصناعات الهندسية قائمة الفرص المطروحة بواقع 149 قطعة، تليها الصناعات الغذائية بـ132 قطعة، والغزل والنسيج بـ103 قطع، والكيماويات بـ79 قطعة، والصناعات الدوائية بـ48 قطعة، بينما تشمل الصناعات التعدينية ومواد البناء 29 قطعة.
وتختلف أسعار الإيجار السنوي وفقًا لموقع الأرض، إذ تبدأ من 55 جنيهًا للمتر في سوهاج، وتصل إلى 430 جنيهًا في القاهرة، بما يعكس الفوارق في تكلفة الأراضي بين المحافظات والمناطق الصناعية.
وتستحوذ قنا على النصيب الأكبر من الطرح بواقع 202 قطعة بسعر إيجار يصل إلى 60 جنيهًا للمتر، تليها الأقصر بـ70 قطعة تتراوح أسعارها بين 40 و90 جنيهًا، وسوهاج بـ66 قطعة بسعر 55 جنيهًا، ثم مطروح بـ38 قطعة بسعر 150 جنيهًا، والشرقية بـ37 قطعة بسعر 165 جنيهًا.
كما تشمل الطروحات 31 قطعة في أسيوط بسعر 90 جنيهًا للمتر، و29 قطعة في الفيوم بسعر 110 جنيهات، و25 قطعة في البحيرة بسعر 115 جنيهًا، إلى جانب 10 قطع في الجيزة بسعر 165 جنيهًا، و10 قطع في الإسكندرية بسعر 125 جنيهًا، و5 قطع في بورسعيد بسعر 120 جنيهًا، و4 قطع في القاهرة بسعر 430 جنيهًا، و3 قطع في كفر الشيخ بسعر 150 جنيهًا، وقطعة واحدة في السويس بسعر 95 جنيهًا للمتر سنويًا.
وبحسب ناهد يوسف، رئيس الهيئة العامة للتنمية الصناعية، يحق للمستثمر التقدم لتملك الأرض بعد إثبات الجدية من خلال بدء التشغيل الفعلي واستخراج رخصة التشغيل والسجل الصناعي، على أن تخصم المبالغ التي سبق سدادها كإيجار من قيمة الأرض عند التملك وفق السعر المعتمد وقت تقديم الطلب.
وتتضمن آلية التملك سداد 25% من القيمة المتبقية، مع تقسيط المبلغ المتبقي على 3 أقساط سنوية محملة بالفوائد المقررة، بما يتيح للمستثمر الانتقال إلى التملك بعد تحقيق متطلبات التشغيل وإثبات جدية المشروع.
ويفتح النظام الجديد الباب أمام إعادة توجيه السيولة داخل المشروع، بدلًا من تجميد جزء كبير منها في شراء الأرض منذ البداية، إلا أن نجاح التجربة لا يتوقف على تخفيض المدفوعات الأولية فقط، وإنما يرتبط بوضوح شروط التملك النهائي واستقرار أسعار الأراضي وآليات إعادة التقييم.
وقال عبدالغني الأباصيري، رئيس جمعية مستثمري 15 مايو، إن نظام الإيجار المنتهي بالتملك يمثل خطوة مهمة لتخفيف الأعباء التمويلية عن المستثمرين، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الأراضي الصناعية وما تتطلبه من تمويلات كبيرة في بداية تنفيذ المشروع.
وأوضح أن شراء الأرض يستنزف جزءًا كبيرًا من السيولة قبل بدء التشغيل، بينما يسمح نظام الإيجار بتوزيع التكلفة على فترة زمنية أطول، ما يتيح توجيه الأموال إلى إنشاء المصنع وتجهيزه وشراء الآلات والمعدات اللازمة لبدء الإنتاج.
وأكد الأباصيري أن نجاح النظام يتطلب وضوح قواعد الانتقال من الإيجار إلى التملك وضمان حقوق المستثمر منذ توقيع العقد، خاصة أن المشروعات الصناعية تضخ استثمارات كبيرة في الإنشاءات وخطوط الإنتاج خلال سنوات الإيجار.
وشدد على أهمية جاهزية الأراضي بالمرافق الأساسية، من كهرباء وغاز ومياه وصرف صحي، حتى لا يتحول انخفاض تكلفة الحصول على الأرض إلى عبء إضافي نتيجة تأخر التشغيل أو تحمل المستثمر تكاليف تجهيز المرافق.
وأشار إلى أن نسبة الإيجار السنوي البالغة 5% من سعر الأرض تبدو مناسبة من حيث المبدأ، مع ضرورة مراعاة اختلاف طبيعة الأنشطة وهوامش الربحية، خصوصًا الصناعات ذات الهوامش المحدودة مثل الغزل والنسيج.
من جانبه، يرى حسين براني، رئيس جمعية مستثمري بني سويف، أن النظام يمثل خطوة جيدة لتشجيع الاستثمار الصناعي، لكنه يحتاج إلى استكماله بسياسات تضمن توجيه الأراضي إلى مشروعات ذات قيمة مضافة، بدلًا من التركيز فقط على زيادة عدد المصانع.
وأوضح أن تحديات المستثمر لا تتعلق بتوفير الأرض والتمويل فقط، وإنما تمتد إلى تعدد الجهات الرقابية والإجراءات، مطالبًا بتوحيد التعامل مع المستثمر الصناعي من خلال جهة واحدة لتقليل الوقت والتكلفة وتسريع بدء الإنتاج.
وطالب بتوجيه الأراضي إلى الصناعات التي تحتاجها السوق وتدعم توطين الإنتاج، خاصة الصناعات الهندسية والأجهزة الكهربائية ومكونات الإنتاج والإضاءة الحديثة، إلى جانب وضع ضوابط تضمن نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية إلى العمالة المصرية.
وأكد أن جذب الاستثمارات يجب ألا يقتصر على إقامة المصانع، وإنما يمتد إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة والتصدير، مع تشجيع استخدام التكنولوجيا الحديثة ورفع كفاءة الإنتاج.
وقال أيمن رضا، الأمين العام لجمعية مستثمري العاشر من رمضان، إن النظام يمثل استجابة مباشرة لمطالب المستثمرين، كما يسهم في تقليل المبالغ المطلوب تدبيرها عند تأسيس المصنع.
لكنه أشار إلى أن توفير الأرض بنظام الإيجار وحده لن يكون كافيًا لخفض تكلفة الاستثمار الصناعي، ما لم يتزامن مع إجراءات أخرى لتقليل تكاليف التشغيل، خاصة الكهرباء والغاز والمياه والعمالة، باعتبارها عناصر رئيسية في تكلفة الإنتاج وقدرة المصانع على المنافسة.
في المقابل، يرى مصطفى الركايبي، سكرتير جمعية مستثمري مرغم الصناعية، أن جاذبية النظام ستتحدد بصورة أساسية وفق سعر متر الأرض، وليس فقط نسبة الإيجار السنوي.
وأوضح أن نسبة الإيجار البالغة 5% من سعر الأرض سنويًا، مع زيادة 10% كل عام، تبدو مناسبة من حيث المبدأ، لكن ارتفاع السعر الأساسي للأرض قد يقلل من جدوى النظام لبعض المستثمرين.
وأكد أن النظام يوفر بديلًا للمستثمر الذي لا يمتلك السيولة الكافية لسداد قيمة الأرض بالكامل، إلا أن استفادته الحقيقية ترتبط بوجود سعر عادل ومستقر للأرض، يسمح بإعداد دراسة جدوى واقعية وتحديد التدفقات النقدية للمشروع.
وحذر الركايبي من أن إعادة تقييم أسعار الأراضي كل 7 سنوات قد تزيد حالة عدم اليقين بشأن التكلفة النهائية للتملك، خصوصًا للمشروعات التي تحتاج إلى فترات طويلة لاسترداد استثماراتها، مطالبًا بقدر أكبر من الاستقرار والوضوح في آلية التسعير عند الانتقال من الإيجار إلى التملك.
وأكد محمد المرشدي، رئيس جمعية مستثمري العبور، أن الهدف من القرار يجب أن يكون خفض تكلفة دخول المستثمر إلى النشاط الصناعي، وليس نقل العبء من شراء الأرض في بداية المشروع إلى تكلفة إيجارية متزايدة خلال السنوات التالية.
وشدد على ضرورة طرح أراض مرفقة وجاهزة للبناء والتشغيل، مع وضع جداول زمنية واضحة وملزمة لاستكمال أي مرافق غير مكتملة، حتى لا يتحمل المستثمر أعباء مالية خلال فترة لا يستطيع فيها تشغيل مشروعه.
أما محمود الشندويلي، رئيس جمعية مستثمري سوهاج، فأكد أن طرح الأراضي بنظام الإيجار المنتهي بالتملك يمثل فرصة مهمة للمستثمرين في الصعيد، خصوصًا مع انخفاض أسعار الإيجار مقارنة ببعض المحافظات الأخرى.
وأوضح أن سعر إيجار المتر في سوهاج يبلغ نحو 55 جنيهًا، وهو ما يعزز فرص جذب استثمارات جديدة إلى المناطق الصناعية بالمحافظة، خاصة في الكوثر وأخميم الجديدة وغرب جرجا.
وأشار إلى أن نجاح النظام في الصعيد يمكن أن يسهم في تشغيل المصانع وتوفير فرص عمل والحد من انتقال العمالة إلى المحافظات الأخرى، بالتوازي مع الاستفادة من الاستثمارات التي ضختها الدولة في البنية التحتية والطرق، وقرب سوهاج من ميناء سفاجا بما يدعم فرص التصدير.
وأكد الشندويلي أن الضمان الحقيقي لجاذبية النظام يتمثل في وجود عقد واضح وملزم يحدد منذ البداية شروط الانتقال من الإيجار إلى التملك، وقيمة الأرض وآلية احتسابها، بما يمنح المستثمر القدرة على تحديد التكلفة النهائية للمشروع قبل ضخ استثماراته.
وبذلك، تبدو تجربة “الإيجار المنتهي بالتملك” أمام اختبار مزدوج: الأول يتعلق بقدرتها على تحرير السيولة وتسهيل دخول المستثمرين إلى النشاط الصناعي، والثاني بمدى قدرة الهيئة على توفير بيئة مستقرة وواضحة بشأن التسعير والتملك والمرافق. فكلما اتضحت التكلفة النهائية للمستثمر منذ البداية، زادت قدرة النظام على تحويل الأموال التي كانت ستتجه إلى الأرض إلى خطوط إنتاج ومعدات وطاقة تشغيلية جديدة، وهو ما يحدد في النهاية مدى نجاح الطرح في دعم التوسع الصناعي.





