بين التضخم وتصاعد الضغوط والتطورات الجيوسياسية.. لماذا يرجح تثبيت المركزي المصري أسعارها في اجتماع أغسطس؟

تترقب الأسواق اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، الخميس المقبل 20 أغسطس، لحسم مصير أسعار الفائدة، وسط ترجيحات واسعة باستمرار سياسة التثبيت للشهر الرابع على التوالي، في ظل عودة معدلات التضخم إلى الارتفاع وتصاعد الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة والتطورات الجيوسياسية.
ويأتي الاجتماع المرتقب باعتباره الخامس للجنة منذ بداية 2026، بينما يواجه البنك المركزي معادلة دقيقة بين الحفاظ على استقرار الأسعار ودعم النشاط الاقتصادي من جهة، والإبقاء على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه واستقرار سوق الصرف وتدفقات الاستثمار الأجنبي من جهة أخرى.
وتشير أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى ارتفاع معدل التضخم العام لإجمالي الجمهورية إلى 13% على أساس سنوي خلال يوليو، مقابل 12.2% في يونيو، فيما ارتفع معدل التضخم في المدن إلى 14.9% مقابل 14.3% خلال الفترة نفسها.
ويضع هذا الارتفاع البنك المركزي أمام مساحة محدودة للتحرك نحو خفض جديد للفائدة، خصوصًا أن التضخم لا يزال أعلى من مستهدف البنك المركزي البالغ 7% ±2%، بالتزامن مع مخاطر إضافية قد تنتج عن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وارتفاع تكلفة بعض السلع والخدمات محليًا.
وكان البنك المركزي قد بدأ العام بخفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس خلال اجتماع فبراير، لتصل أسعار العائد على الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية إلى 19% و20% و19.5% على الترتيب، فيما خُفض سعر الائتمان والخصم إلى 19.5%.
لكن هذا الخفض ظل الوحيد منذ بداية العام، إذ أبقى البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعات أبريل ومايو ويوليو، في ظل تغيرات خارجية وظهور مخاطر تضخمية وجيوسياسية جديدة.
وتزداد صعوبة اتخاذ قرار جديد بخفض الفائدة مع عودة التضخم إلى الارتفاع، خصوصًا مع احتمالات انتقال جزء من الزيادة في أسعار الطاقة العالمية إلى تكلفة النقل والإنتاج والخدمات، فضلًا عن أثر رفع أسعار الكهرباء محليًا على معدلات التضخم خلال الأشهر المقبلة.
وقالت وحدة الأبحاث التابعة لشركة “إس آند بي جلوبال” إن تسارع التضخم السنوي في مصر خلال يوليو قد يؤجل استئناف خفض أسعار الفائدة إلى وقت لاحق من العام، بشرط انحسار توقعات التضخم.
وأشارت إلى أن الضغوط الخارجية المرتبطة بأسعار الطاقة والغذاء قد تعزز الضغوط التضخمية، بما قد يبقي أسعار الفائدة المحلية مرتفعة لفترة أطول، خاصة مع مخاطر انتقال أثر تحركات سعر الصرف إلى الأسعار المحلية.
وفي هذا السياق، قال محمد أبو باشا، رئيس قسم تحليل الاقتصاد الكلي في “EFG Hermes”، إن البنك المركزي يتبع نهج “الانتظار والترقب”، لمراقبة مسار التضخم والتطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة، موضحًا أن مستويات عدم اليقين لا تزال مرتفعة، ما يجعل مراقبة البيانات قبل اتخاذ أي تحول جديد في السياسة النقدية أمرًا ضروريًا.
ويرى هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، أن تثبيت أسعار الفائدة يمثل السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الاجتماع المقبل، في ظل حساسية تدفقات رؤوس الأموال وسعر الصرف لأي خفض سريع في عوائد الجنيه.
وأوضح أن قرار البنك المركزي يرتبط أيضًا بالحفاظ على جاذبية الأصول المصرية أمام المستثمرين الأجانب، خاصة مع استمرار أهمية تدفقات الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين الحكومية بالنسبة للسوق المحلية.
ويضيف خفض الفائدة في وقت ترتفع فيه معدلات التضخم ضغوطًا على العائد الحقيقي على الجنيه، وهو ما قد يؤثر في جاذبية أدوات الدين المحلية ويزيد حساسية سوق الصرف، بينما يفرض الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة في المقابل تكلفة أكبر على الموازنة العامة ويرفع أعباء خدمة الدين والاقتراض على القطاع الخاص.
وتتجه الأنظار كذلك إلى أثر أسعار الكهرباء على التضخم، بعدما أقرت وزارة الكهرباء تعريفة جديدة للاستخدامات المنزلية بمتوسط زيادة يبلغ 12%، مع استثناء الشريحة الأولى التي لا يتجاوز استهلاكها 50 كيلوواط/ساعة شهريًا، والتي جرى تثبيت سعرها مراعاة للأبعاد الاجتماعية.
ورغم أن هذه الزيادة قد ترفع الضغوط السعرية خلال الفترة المقبلة، فإن ارتفاع قراءة واحدة للتضخم لا يعني بالضرورة تغيير اتجاه السياسة النقدية، وهو ما يدعم خيار الانتظار لحين اتضاح ما إذا كانت الزيادة مؤقتة أم بداية مسار صعودي مستمر.
وقال محمد عبدالعال، الخبير المصرفي، إن البنك المركزي يمتلك أدوات أخرى لإدارة السيولة إلى جانب أسعار الفائدة، من بينها نسبة الاحتياطي الإلزامي وأدوات الادخار مرتفعة العائد، بما يسمح بامتصاص جزء من السيولة ودعم الادخار بالجنيه والحد من الدولرة دون الحاجة إلى تحريك أسعار الفائدة الرسمية بصورة متكررة.
وأشار إلى أن البنك المركزي خفض في فبراير الماضي نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي للبنوك إلى 16% بدلًا من 18%.
وأضاف عبدالعال أن ارتفاع التضخم خلال قراءة واحدة، في إشارة إلى بيانات يوليو، لا يمثل سببًا كافيًا لتغيير مسار أسعار الفائدة، خصوصًا أن الزيادة الأخيرة محدودة وترتبط بدرجة كبيرة بتأثير سنة الأساس.
وتوقع استمرار البنك المركزي في سياسة التأني والمراقبة، مع ترجيح تثبيت أسعار الفائدة حتى نهاية العام، ما لم تتغير العوامل الأساسية المؤثرة في مسار السياسة النقدية.
من جانبه، يرى محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن أسعار الفائدة الحالية تظل عند مستويات جاذبة وتساعد على امتصاص السيولة الزائدة من السوق، بما يدعم جهود احتواء التضخم ومنع عودته إلى المستويات المرتفعة السابقة.
وفي الاتجاه نفسه، رجح أيمن سليمان، الخبير المصرفي، تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، موضحًا أن الارتفاع الحالي في التضخم يرتبط بصورة أكبر بزيادة التكاليف وليس بارتفاع الطلب.
وأشار إلى أن البنك المركزي يحتاج إلى التريث لضمان استقرار تدفقات النقد الأجنبي وسوق الصرف، بما يقلل الضغوط التضخمية المستوردة ويخفف الحاجة إلى الاعتماد بصورة أساسية على سعر الفائدة لضبط الأسواق.
وتوقع سليمان استمرار موجة تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعي سبتمبر وأكتوبر، في ظل احتمالات ارتفاع التضخم خلال القراءات المقبلة.
أما علي متولي، محلل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بإحدى شركات الاستشارات في لندن، فيرى أن التثبيت هو السيناريو الأرجح خلال اجتماع أغسطس، مدفوعًا بارتفاع التضخم والتوقعات بمزيد من الصعود خلال الأشهر المقبلة بعد زيادة أسعار الكهرباء.
وأوضح أن العوامل التي كانت قد تدفع إلى رفع أسعار الفائدة لم تعد قائمة حاليًا، فضلًا عن استمرار إيجابية أسعار الفائدة الحقيقية.
ورجح متولي أن ينتقل البنك المركزي تدريجيًا من التثبيت إلى التيسير النقدي خلال الفترة المقبلة، ولكن بحذر شديد، إذا تحرك التضخم في نطاق قريب من 15% وتأكد أن الارتفاع الناتج عن أسعار الكهرباء مؤقت.
وتوقع إمكانية خفض أسعار الفائدة بنحو 200 إلى 300 نقطة أساس قبل نهاية العام، حال سجل التضخم مسارًا نزوليًا واضحًا.
وعلى المستوى الدولي، ترى مؤسسة فرانكلين تمبلتون أن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الإقليمية قد يدفع البنك المركزي المصري إلى الإبقاء على سياسة نقدية حذرة لفترة أطول.
كما رجح بنك مورجان ستانلي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الفترة المقبلة، مع زيادة فرص بدء دورة خفض الفائدة خلال الربع الرابع بنحو 200 نقطة أساس، إذا استمر تحسن مسار التضخم وتراجعت الضغوط السعرية.
وفي المقابل، يرى صندوق النقد الدولي أن البنك المركزي المصري يحتاج إلى الحفاظ على تشدد السياسة النقدية لاستكمال مسار خفض التضخم، بعدما تراجعت الفائدة الحقيقية إلى مستويات أدنى من المستوى الذي يراه الصندوق ملائمًا لتحقيق استقرار الأسعار.
وبذلك تبدو معادلة اجتماع أغسطس أقرب إلى اختبار لقدرة البنك المركزي على الموازنة بين التضخم والفائدة وسعر الصرف وتدفقات الاستثمار، أكثر من كونها مجرد قرار دوري بشأن أسعار العائد.
ويتبقى أمام لجنة السياسة النقدية 4 اجتماعات خلال 2026، تبدأ باجتماع الخميس 20 أغسطس، يليه اجتماع 24 سبتمبر، ثم 29 أكتوبر، على أن تختتم اجتماعات العام في 17 ديسمبر. وكانت اللجنة قد عقدت 4 اجتماعات منذ بداية العام في 12 فبراير و2 أبريل و21 مايو و9 يوليو.





