من الصكوك إلى الائتمان الخاص.. التمويل الإسلامي يعيد رسم خريطة السيولة العالمية

يتجه قطاع التمويل الإسلامي العالمي إلى مرحلة جديدة من النمو، مع انتقال التركيز من مجرد زيادة حجم الأصول إلى تطوير قنوات أكثر كفاءة لربط السيولة بفرص الاستثمار والتمويل، خاصة في الأسواق الناشئة التي تعاني فجوات تمويلية متزايدة.
وتوقع تقرير حديث صادر عن ستاندرد تشارترد ارتفاع أصول التمويل الإسلامي عالميا من نحو 6.2 تريليون دولار في 2025 إلى 9.6 تريليون دولار بحلول 2030، في ظل توسع دور القطاع في تمويل التجارة والاستثمار والبنية التحتية والأسواق الخاصة.
وأشار التقرير إلى أن التحدي الرئيسي أمام صناعة التمويل الإسلامي لم يعد نقص السيولة، وإنما كيفية توجيه رؤوس الأموال المتاحة إلى الأسواق والقطاعات الأكثر احتياجا للتمويل، بما يفتح المجال أمام تطوير ممرات جديدة لحركة الأموال بين الأسواق ذات الفوائض وتلك التي تبحث عن مصادر تمويل إضافية.
وتبرز الصكوك كإحدى الأدوات الرئيسية في هذا التحول، بعدما تجاوزت قيمة الصكوك القائمة عالميا حاجز التريليون دولار، مع ارتفاع إصداراتها بنسبة 14.5% خلال 2025، وفقا للتقرير، بالتزامن مع نمو قيمة الصناديق الإسلامية بنسبة 37% خلال العام نفسه.
ولا يقتصر توسع التمويل الإسلامي على الصكوك والخدمات المصرفية التقليدية، إذ تتزايد فرص توظيف السيولة الإسلامية في أدوات تمويل جديدة، من بينها الائتمان الخاص، بما يسمح بتمويل شركات ومشروعات خارج قنوات أسواق الدين العامة، ويوفر للمستثمرين أدوات إضافية لتنويع محافظهم.
ويرى التقرير أن هذا التطور يكتسب أهمية خاصة في ظل تركز جزء كبير من السيولة الإسلامية في أسواق أكثر عمقا، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، مقابل ارتفاع الاحتياجات التمويلية في جنوب آسيا وأفريقيا.
وتكشف البيانات عن فجوة واضحة في توزيع رؤوس الأموال، إذ لا يتجاوز نصيب جنوب آسيا وأفريقيا نحو 6% من رؤوس أموال الصكوك العالمية، وهو ما يعكس مساحة واسعة أمام المؤسسات المالية الإسلامية لتوسيع نطاق الاستثمار وربط المدخرات والتمويل بالفرص الإنتاجية في الأسواق الناشئة.
ويعني هذا التحول أن مستقبل الصناعة قد يرتبط بدرجة أكبر بقدرتها على بناء شبكات تمويل عابرة للحدود، تجمع بين الصكوك والتمويل المصرفي والتمويل الخاص والاستثمار في البنية التحتية، بما يسمح بتحويل السيولة المتراكمة إلى استثمارات ذات أثر اقتصادي مباشر.
كما يمثل التطور فرصة أمام الاقتصادات الناشئة للحصول على مصادر تمويل جديدة، خاصة مع تنامي احتياجاتها لتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي قطاعات يمكن أن تستفيد من هياكل التمويل الإسلامي المتنوعة.
وبذلك يتحول التمويل الإسلامي تدريجيا من نموذج يركز على توفير منتجات مالية متوافقة مع الشريعة إلى منظومة أوسع تستهدف ربط رؤوس الأموال العالمية بالاقتصاد الحقيقي، مع تنويع أدوات الاستثمار وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق الخاصة والعامة.
وتشير تقديرات أخرى إلى استمرار الاتجاه الصاعد للصناعة عالميا، إذ توقع مؤشر تنمية التمويل الإسلامي الصادر عن مجموعة بورصة لندن والمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص وصول الأصول الإسلامية إلى 9.7 تريليون دولار بحلول 2029، ما يؤكد اتساع قاعدة القطاع وتزايد أهميته في النظام المالي العالمي.
ومع استمرار نمو الصكوك وتوسع التكنولوجيا المالية الإسلامية وتطور أسواق رأس المال، تبدو المنافسة المقبلة في قدرة القطاع على تجاوز الحدود الجغرافية التقليدية وتحويل الوفرة النقدية في بعض الأسواق إلى تمويل مباشر لفرص النمو في أسواق أخرى.





