من القاهرة إلى وول ستريت.. هشام عز العرب.. المصرفي المصري الذي عاد ليبني «CIB» ويضع اسمه بين كبار مصرفيي العالم

في عالم المال، لا تُقاس رحلة المصرفي بعدد المناصب التي شغلها، بقدر ما تُقاس بالأثر الذي تركه خلفه. وفي قصة هشام عز العرب، تتقاطع محطات القاهرة ولندن ونيويورك لتصنع مسيرة أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتطور القطاع المصرفي المصري خلال العقود الأخيرة.
لم تكن رحلة عز العرب طريقًا مستقيمًا نحو قمة مصرفية؛ بل كانت رحلة بدأت من مصر، ثم انتقلت إلى مراكز المال العالمية، قبل أن يعود صاحبها إلى القاهرة حاملاً معه خبرات المؤسسات الدولية، ليشارك في إعادة صياغة واحدة من أهم التجارب المصرفية في السوق المصرية.
البداية من القاهرة.. ثم إلى عواصم المال
بدأ هشام عز العرب مسيرته المصرفية في مصر عام 1977، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العمل في مؤسسات مصرفية دولية، بينها JPMorgan وDeutsche Bank وMerrill Lynch، في لندن ونيويورك.
كانت تلك السنوات بمثابة مدرسة عملية في العمل المصرفي العالمي؛ حيث الاحتكاك بأسواق المال الدولية، وإدارة المخاطر، وتمويل الشركات، والتعامل مع المؤسسات الكبرى، وهي خبرات سيحملها لاحقًا معه إلى مصر.
وفي عام 1999، جاءت إحدى أهم محطات مسيرته بانضمامه إلى البنك التجاري الدولي CIB.
لم يكن البنك في ذلك الوقت هو المؤسسة التي يعرفها السوق المصري اليوم، وهنا بدأت المرحلة الأكثر تأثيرًا في قصة عز العرب.
CIB.. من بنك إلى نموذج مصرفي
مع توليه قيادة البنك، تبنى عز العرب رؤية تقوم على بناء مؤسسة مصرفية قادرة على المنافسة ليس فقط من خلال حجم أعمالها، ولكن عبر نموذج متكامل يقوم على الحوكمة، وإدارة المخاطر، وتنمية الكوادر، والتكنولوجيا، وفهم احتياجات العملاء.
وخلال سنوات قيادته، تحول CIB من بنك يركز بصورة أساسية على قطاع الشركات إلى أكبر بنك قطاع خاص في مصر، وفقًا للبيانات المنشورة عن مسيرته.
وكان التحول الأكبر في قيمة البنك نفسها؛ إذ ارتفعت القيمة السوقية لـCIB من نحو مليار جنيه إلى أكثر من 300 مليار جنيه خلال فترة قيادته، في انعكاس لحجم النمو الذي شهدته المؤسسة ومكانتها المتزايدة في السوق المصرية.
لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تختصر القصة كاملة.
فلسفة الإدارة قبل الأرقام
كان الرهان الأساسي في تجربة عز العرب على بناء مؤسسة لا تعتمد على شخص واحد، وإنما على منظومة إدارية قادرة على الاستمرار.
ولهذا ارتبط اسمه خلال سنوات قيادته بملفات مثل إدارة المخاطر، والحوكمة، والتحول الرقمي، وتحليل البيانات، والاستدامة، إلى جانب تطوير الكفاءات البشرية.
هذه الرؤية جعلت CIB يتجاوز فكرة «البنك الكبير» إلى نموذج مؤسسي يحاول الجمع بين المعايير الدولية وفهم طبيعة السوق المصرية.
ومن هنا جاءت أهمية الخبرة التي اكتسبها عز العرب في لندن ونيويورك؛ فقد عاد إلى مصر وهو يحمل معه أدوات المؤسسات العالمية، لكنه استخدمها داخل مؤسسة مصرية وبما يتناسب مع طبيعة السوق المحلية.
حين غادر.. لم تنتهِ القصة
في عام 2020، غادر عز العرب منصبه التنفيذي في CIB، لكن علاقته بالبنك لم تنتهِ.
عاد إلى مجلس إدارة البنك في عام 2022 كعضو غير تنفيذي، ثم تولى رئاسة مجلس الإدارة في 2023.
وفي نوفمبر 2024، عاد مرة أخرى إلى قلب الإدارة التنفيذية، بعد إعادة تعيينه رئيسًا تنفيذيًا وعضوًا تنفيذيًا بمجلس إدارة البنك.
وهنا تحولت قصة هشام عز العرب إلى ما يشبه «الفصل الثاني».
فالمصرفي الذي شارك في بناء مرحلة تاريخية للبنك عاد ليقود المؤسسة في بيئة مصرفية مختلفة تمامًا؛ بيئة أصبحت فيها التكنولوجيا، والبيانات، والخدمات الرقمية، والتوسع الإقليمي، والاستدامة، عناصر أساسية في المنافسة المصرفية.
من القاهرة إلى الإقليم
لم يعد CIB في هذه المرحلة مؤسسة تعمل داخل الحدود المصرية فقط.
فالبنك يمتلك حضورًا إقليميًا ودوليًا، من خلال عملياته في مصر وكينيا وإثيوبيا والإمارات، مع قاعدة عملاء تتجاوز 2.5 مليون عميل، وفق بيانات منشورة في 2026.
وبلغت أصول البنك نحو 30.1 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، وفق بيانات Forbes Middle East.
الأرقام تعكس حجم المؤسسة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن طبيعة التحدي الذي يواجهه عز العرب في مرحلته الحالية: الحفاظ على قوة البنك في السوق المصرية، مع بناء حضور إقليمي قادر على المنافسة في أسواق أكثر انفتاحًا وتعقيدًا.
من رئيس بنك إلى اسم حاضر على الخريطة العالمية
لم تأتِ المكانة الدولية لعز العرب من منصبه في CIB فقط
على مدار مسيرته، حصل على عدد من الجوائز والتكريمات المصرفية الدولية، من بينها جوائز مرتبطة بالإنجاز المهني والقيادة المصرفية، كما اختارته Forbes Middle East ضمن قائمة Top 100 CEOs لعام 2026، ليحتل المركز السادس والأربعين.
وفي 2025، حصل على جائزة Lifetime
Achievement من Global Finance، في تكريم يعكس مسيرة امتدت لعقود داخل القطاع المصرفي.
وهنا تكمن المفارقة اللافتة في قصته.
فالمصرفي الذي بدأ مسيرته من القاهرة، وعمل في عواصم المال العالمية، لم يجعل من الخارج محطة نهائية لمسيرته؛ بل عاد إلى مصر، واستثمر ما تعلمه في بناء مؤسسة أصبحت واحدة من أبرز قصص النجاح المصرفي في المنطقة.
وول ستريت لم تكن النهاية
قد تبدو عبارة «من القاهرة إلى وول ستريت» عنوانًا لمسيرة مصرفية انتهت بالوصول إلى الأسواق العالمية.
لكن قصة هشام عز العرب تقول شيئًا مختلفًا.
وول ستريت ولندن كانتا جزءًا من الرحلة، وليستا نهايتها.
النهاية الحقيقية كانت في القاهرة؛ حيث عاد المصرفي بخبرة المؤسسات العالمية ليضعها في خدمة مؤسسة مصرية، ثم يعود بعد سنوات إلى قيادتها في مرحلة جديدة من المنافسة المصرفية.
وهذا تحديدًا ما يجعل تجربة عز العرب مختلفة: لم يكتفِ بأن يصنع لنفسه مسيرة دولية، بل عاد ليترك أثرًا مؤسسيًا في السوق التي بدأ منها.
الفصل الجديد
اليوم، يقف هشام عز العرب أمام فصل جديد من مسيرته.
لم تعد المهمة مجرد الحفاظ على ما تحقق في CIB، وإنما قيادة البنك في مرحلة تتغير فيها قواعد الصناعة المصرفية عالميًا؛ من الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية إلى الأمن السيبراني والبيانات، ومن المنافسة المحلية إلى التوسع الإقليمي.
وفي هذه المرحلة، تصبح خبرة العقود الماضية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالمصرفي الذي عرف القاهرة، وعمل في لندن ونيويورك، وقاد مؤسسة مصرية إلى مكانة متقدمة، يواجه الآن اختبارًا جديدًا: كيف يحافظ على إرث CIB، وفي الوقت نفسه يبني مستقبلًا أكثر اتساعًا للمؤسسة؟
ربما تكون الإجابة في فلسفة واحدة ظلت حاضرة طوال الرحلة:
أن بناء البنك لا يبدأ من الأموال فقط، وإنما من بناء الإنسان، والمؤسسة، والثقة.
وهذه هي القصة التي تجعل اسم هشام عز العرب يتجاوز حدود منصب «رئيس بنك»، ليصبح جزءًا من قصة تطور المصرفية المصرية نفسها.






