البنوك تتوسع خارج القطاع المصرفي.. أذرع للتمويل غير المصرفي تحت مظلتها

رغم الجدل المتكرر حول حدود المنافسة بين القطاع المصرفي وأنشطة التمويل غير المصرفي، تكشف خريطة الملكية في السوق المصرية عن علاقة أكثر تعقيدا بين الجانبين، بعدما أصبحت شركات عاملة في التخصيم والتأجير التمويلي والتمويل الاستهلاكي والتمويل العقاري والتأمين وإدارة الأصول جزءا من منظومات مصرفية واسعة، عبر شركات تابعة مملوكة للبنوك.

وأظهر مسح استنادا إلى القوائم المالية للبنوك المدرجة خلال النصف الأول من العام الحالي، امتلاك عدد من البنوك حصصا حاكمة في شركات تعمل بالقطاع المالي غير المصرفي، وصلت في بعض الحالات إلى 100% من رءوس أموال تلك الشركات، بينما تجاوزت ملكية بنوك أخرى 90% في شركات تابعة تنشط في مجالات مالية متعددة.

وتشير هذه الخريطة إلى أن العلاقة بين البنوك والقطاع المالي غير المصرفي في مصر لا تتجه بالضرورة نحو المنافسة المباشرة، وإنما تتخذ في جانب كبير منها شكل التكامل، إذ تعمل البنوك على توسيع نطاق خدماتها عبر أذرع متخصصة تتيح لها دخول أنشطة مالية جديدة والوصول إلى شرائح مختلفة من العملاء.

ويأتي هذا التوسع بالتزامن مع استمرار النمو في أنشطة الخدمات المالية غير المصرفية، خاصة التمويل الاستهلاكي والتأجير التمويلي والتخصيم والتمويل العقاري والتمويل متناهي الصغر، ما جعل امتلاك شركات متخصصة في هذه المجالات جزءا من استراتيجية عدد من المؤسسات المصرفية.

وتتنوع دوافع البنوك وراء تأسيس أو الاستحواذ على شركات عاملة في الأنشطة غير المصرفية، بين تنويع مصادر الإيرادات، وتوسيع قاعدة العملاء، وتقديم مجموعة أكبر من المنتجات المالية، إلى جانب الاستفادة من النمو المتزايد في الطلب على أدوات التمويل غير المصرفي.

كما تسمح هذه المنظومة للبنوك بتقديم خدمات مالية متكاملة للعملاء من خلال أكثر من قناة، بحيث لا يقتصر دور البنك على الخدمات المصرفية التقليدية، وإنما يمتد إلى أنشطة تمويلية واستثمارية وتأمينية أخرى عبر شركات متخصصة تعمل تحت مظلته.

وتعكس خريطة الملكية أيضا تحولا تدريجيا في نموذج عمل البنوك، من التركيز على دورها كمؤسسات تمويل تقليدية إلى بناء مجموعات مالية متكاملة تضم أنشطة مصرفية وغير مصرفية، بما يتيح توزيع المخاطر وتنويع مصادر الدخل والاستفادة من فرص النمو المتاحة في قطاعات مالية مختلفة.

وتبرز أهمية هذا النموذج بصورة أكبر مع توسع السوق المصرية في استخدام أدوات التمويل غير المصرفي، وارتفاع الحاجة إلى حلول تمويلية متنوعة تلائم احتياجات الأفراد والشركات بمختلف أحجامها، وهو ما يفتح المجال أمام المؤسسات التي تجمع بين الخبرة المصرفية والقدرات المتخصصة في الأنشطة المالية غير المصرفية.

وفي المقابل، يفرض توسع البنوك في هذه الأنشطة أهمية متزايدة للحوكمة والرقابة وإدارة المخاطر، خاصة مع اختلاف طبيعة المتطلبات التنظيمية بين الأنشطة المصرفية والأنشطة المالية غير المصرفية، ووجود جهات رقابية وأطر تشريعية مختلفة تحكم كل نشاط.

وبذلك تكشف خريطة الملكية عن اتجاه واضح نحو تكوين منظومات مالية أكثر اتساعا، لا تفصل بصورة حادة بين الخدمات المصرفية والتمويل غير المصرفي، وإنما تجمع بينهما من خلال شركات تابعة وكيانات متخصصة، بما يعزز قدرة المجموعات المصرفية على تقديم خدمات متنوعة والاستفادة من معدلات النمو التي يشهدها القطاع المالي المصري.

ولا يعني هذا التوسع اختفاء المنافسة بين القطاعين، لكنه يعكس في الوقت نفسه تغير طبيعة العلاقة بينهما، إذ أصبحت بعض المؤسسات المصرفية حاضرة في النشاطين معا، سواء بصورة مباشرة من خلال البنك أو بصورة غير مباشرة عبر شركات تابعة تعمل في مجالات التمويل والاستثمار والتأمين وإدارة الأصول.

ومع استمرار نمو الخدمات المالية غير المصرفية، تبدو ملكية البنوك لهذه الشركات مرشحة للحفاظ على دورها كإحدى الأدوات الرئيسية لتوسيع النشاط المالي وتنويع المنتجات، خصوصا مع اتجاه السوق نحو مزيد من التكامل بين الخدمات المصرفية التقليدية والحلول التمويلية والاستثمارية الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى