«كسر التجميد» يقترب من الطاولة.. هل يرفع البنك المركزي المصري الفائدة الخميس؟

بعد 4 اجتماعات من التثبيت.. تضخم أساسي يرتفع والفيدرالي يفتح باب التشديد من جديد

يدخل البنك المركزي المصري اجتماعه المقبل للجنة السياسة النقدية يوم الخميس 24 سبتمبر، وسط معادلة نقدية أكثر تعقيدًا من الاجتماعات السابقة: التضخم العام في المدن تراجع خلال أغسطس، لكن التضخم الأساسي ارتفع، فيما عادت الضغوط العالمية على أسعار الفائدة إلى الواجهة بعد رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، بالتزامن مع استمرار المخاطر الجيوسياسية وارتفاع الضغوط على أسواق الطاقة.

وتأتي أهمية اجتماع الخميس من كونه أول اختبار حقيقي لاحتمال تغيير مسار السياسة النقدية بعد سلسلة من الاجتماعات التي اختار خلالها البنك المركزي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.

وبحسب بيانات البنك المركزي، يبلغ سعر عائد الإيداع لليلة واحدة حاليًا 19%، وسعر الإقراض 20%، وسعر العملية الرئيسية 19.50%، وهي المستويات التي تم تثبيتها منذ فبراير واستمرت دون تغيير في اجتماعات أبريل ومايو ويوليو وأغسطس.

لماذا أصبح رفع الفائدة مطروحًا الآن؟

المفارقة الأساسية في المشهد أن آخر بيانات التضخم لا تعطي إشارة واحدة.

فقد تراجع التضخم العام في المدن إلى 14.5% خلال أغسطس، مقابل 14.9% في يوليو، وهو تطور إيجابي من زاوية مسار الأسعار.

لكن في المقابل، ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد بعض العناصر الأكثر تقلبًا، إلى 14.9% في أغسطس مقابل 14.7% في يوليو، كما ارتفع المعدل الشهري للتضخم الأساسي إلى 0.3% مقابل صفر في يوليو.

وهنا تكمن نقطة القلق بالنسبة لصانع السياسة النقدية: تراجع التضخم العام لا يعني بالضرورة أن الضغوط السعرية اختفت، خصوصًا إذا بدأت مكونات التضخم الأساسي في التحرك مجددًا.

«الربع الرابع».. كلمة السر في القرار

البنك المركزي نفسه حذر في آخر بيان له من أن التضخم العام قد يتسارع خلال الربع الثالث من 2026، وإن كان بوتيرة أقل من التوقعات السابقة، قبل أن يبدأ مسارًا هبوطيًا تدريجيًا اعتبارًا من الربع الأول من 2027.

كما أشار البنك إلى وجود مخاطر صعودية على مسار التضخم، من بينها استمرار التوترات الإقليمية واحتمال أن يكون تأثير إجراءات ضبط المالية العامة على الأسعار أكبر من المتوقع.

وبالتالي، فإن قرار رفع الفائدة – إذا اتُخذ – لن يكون بالضرورة رد فعل على رقم التضخم الحالي فقط، وإنما قد يكون محاولة استباقية لمنع عودة الضغوط السعرية خلال الأشهر المقبلة.

السيناريو الذي يراقبه السوق: 100 نقطة أساس

رغم أن السيناريو الغالب بين المحللين حاليًا يميل إلى تثبيت أسعار الفائدة، فإن هناك قراءة مخالفة داخل السوق.

فبحسب استطلاع نشرته «إنتربرايز» في 20 سبتمبر، تتوقع غالبية المحللين تثبيت الفائدة، بينما ترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي لدى HC Securities، إمكانية رفع أسعار الفائدة 100 نقطة أساس، استنادًا إلى الضغوط التضخمية المتوقعة في الربع الرابع.

ولو اختار البنك المركزي هذا السيناريو، فسيعني ذلك انتقال سعر الإيداع من 19% إلى 20%، وسعر الإقراض من 20% إلى 21%.

لكن هذا السيناريو سيحمل تكلفة اقتصادية واضحة؛ إذ إن رفع الفائدة يعني زيادة تكلفة الاقتراض أمام الشركات والأفراد، وقد يضغط على الاستثمار والائتمان والطلب المحلي.

وفي المقابل.. لماذا قد يتجنب المركزي الرفع؟

هناك سبب قوي يجعل التثبيت منطقيًا أيضًا.

فالبنك المركزي يرى أن الاقتصاد لا يزال يعمل دون طاقته القصوى، وأن الضغوط التضخمية الناتجة عن الطلب محدودة على المدى القصير، بينما ساهمت السياسة النقدية الحالية بالفعل في الحفاظ على أوضاع نقدية تقييدية.

وفي أغسطس، أكد البنك أنه أبقى أسعار الفائدة دون تغيير للحفاظ على هامش موجب مناسب لسعر الفائدة الحقيقي، بما يساعد على تثبيت توقعات التضخم ودعم مسار انخفاض الأسعار.

كما أن رفع الفائدة في هذه المرحلة قد يأتي على حساب تكلفة التمويل والنشاط الاقتصادي، في وقت يتوقع فيه البنك نمو الناتج المحلي الحقيقي بنحو 5% خلال السنة المالية 2025/2026.

الفيدرالي الأمريكي يدخل المعادلة

التطور الخارجي الأبرز قبل اجتماع المركزي المصري هو عودة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع الفائدة.

وبحسب تقارير حديثة، رفع الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4%، في أول زيادة منذ 2023، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم وارتفاع تكاليف الطاقة.

ولا يعني قرار الفيدرالي تلقائيًا أن البنك المركزي المصري يجب أن يحذو حذوه، فلكل اقتصاد ظروفه، لكن تحرك أسعار الفائدة الأمريكية يظل عاملًا مهمًا في حسابات الأسواق الناشئة، خصوصًا فيما يتعلق بجاذبية الأصول المقومة بالعملات المختلفة وتدفقات رؤوس الأموال.

ماذا يعني رفع الفائدة للمصريين والشركات؟

إذا قرر المركزي رفع الفائدة، فإن التأثير لن يتوقف عند أسعار الشهادات والودائع.

على المواطنين: قد ترتفع العوائد على بعض المنتجات الادخارية الجديدة، لكن تكلفة القروض والتمويل قد ترتفع أيضًا.

على الشركات: ارتفاع تكلفة الاقتراض يمكن أن يضغط على خطط التوسع والاستثمار، خصوصًا لدى الشركات التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل المصرفي.

على العقارات: ارتفاع تكلفة التمويل قد يدفع بعض المشترين إلى تأجيل قرارات الشراء، في الوقت الذي قد تصبح فيه أنظمة التقسيط والتمويل أكثر تكلفة.

على البورصة: ارتفاع العائد الخالي من المخاطر قد يؤثر في شهية بعض المستثمرين تجاه الأسهم، وإن كانت حركة السوق تعتمد في النهاية على مجموعة أكبر من العوامل.

على التضخم: الهدف الأساسي من رفع الفائدة سيكون كبح الطلب وترسيخ توقعات التضخم، وليس معالجة الارتفاعات الناتجة مباشرة عن صدمات العرض أو أسعار الطاقة.

المعركة الحقيقية: التضخم أم النمو؟

اجتماع الخميس يضع البنك المركزي أمام مفاضلة واضحة.

من ناحية، هناك حاجة إلى الحفاظ على التشدد النقدي بما يكفي لمنع تجدد التضخم وترسيخ توقعات الأسعار.

ومن ناحية أخرى، فإن رفع الفائدة فوق مستوياتها الحالية قد يزيد تكلفة التمويل ويضغط على النشاط الاقتصادي في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يتعامل مع تداعيات التوترات الإقليمية.

ولهذا، فإن السؤال الأهم لن يكون فقط: هل يرفع المركزي الفائدة؟

بل: هل يرى أن مخاطر التضخم خلال الأشهر المقبلة أصبحت أكبر من تكلفة تشديد الائتمان الآن؟

الخلاصة

حتى الآن، لا يوجد ما يؤكد أن البنك المركزي سيرفع الفائدة الخميس؛ بل إن أحدث استطلاع للمحللين يشير إلى أن التثبيت هو التوقع الغالب، مع وجود سيناريو مخالف يتوقع رفعًا بـ100 نقطة أساس.

لكن اجتماع 24 سبتمبر يظل مختلفًا عن الاجتماعات السابقة، لأن البنك يدخل الاجتماع أمام تضخم أساسي مرتفع نسبيًا، ومخاطر صعودية على الأسعار، وبيئة عالمية أصبحت أكثر تشددًا بعد تحرك الفيدرالي الأمريكي.

وفي حال اختار المركزي رفع الفائدة، فسيكون القرار بمثابة رسالة بأن معركة التضخم لم تنتهِ بعد، وأن البنك مستعد لاستخدام سلاح الفائدة مجددًا إذا رأى أن مخاطر عودة الأسعار إلى الارتفاع تتجاوز تكلفة تشديد الاقتراض.

أما إذا أبقى على المستويات الحالية، فسيعني ذلك أن البنك لا يزال يرى أن التشدد النقدي القائم كافٍ، وأن منحنى التضخم الحالي لا يستدعي إضافة جرعة جديدة من رفع الفائدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى