من مختبر تسينغهوا إلى بورصة هونج كونج.. قصة صعود زيبو الصينية في سباق الذكاء الاصطناعي

في أقل من 7 سنوات، انتقلت شركة “زيبو” الصينية للذكاء الاصطناعي، المعروفة حاليا باسم Z.AI وZhipu AI، من مشروع بحثي خرج من جامعة تسينغهوا إلى واحدة من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصين، في رحلة جمعت بين البحث الأكاديمي وتطوير النماذج اللغوية والاستثمار الضخم في التكنولوجيا.

تأسست الشركة عام 2019 انطلاقا من نتائج أبحاث مختبر هندسة المعرفة بقسم علوم الكمبيوتر في جامعة تسينغهوا، إحدى أبرز الجامعات الصينية، وركزت منذ البداية على بناء نماذج ذكاء اصطناعي كبيرة قادرة على معالجة اللغة والاستدلال والتعامل مع تطبيقات متعددة. وتقول الشركة إن لديها حاليا قدرات بحث وتطوير تغطي سلسلة نماذج الذكاء الاصطناعي بدءا من الخوارزميات وأطر التدريب وحتى التكيف مع العتاد الصيني.

البداية من GLM

كان تطوير عائلة نماذج GLM حجر الأساس في استراتيجية زيبو، إذ اتجهت الشركة إلى بناء نماذج لغوية كبيرة يمكن استخدامها في تطبيقات المحادثة والبرمجة والاستدلال والمهام المؤتمتة.

وفي 2021، أطلقت الشركة إطارها الخاص للتدريب المسبق GLM، قبل أن تكشف في 2022 عن GLM-130B، الذي وصفته الشركة بأنه أول نموذج أساسي مفتوح المصدر في الصين بحجم 100 مليار معلمة.

ثم جاءت محطة أكثر أهمية في 2023 مع إطلاق ChatGLM، الذي ساعد في نقل تقنيات الشركة من نطاق الأبحاث إلى الاستخدام الأوسع، بينما واصلت تطوير نماذجها لتشمل النصوص والصور والفيديو والصوت والقدرة على استخدام الأدوات.

التمويل.. الوقود وراء التوسع

لم تعتمد زيبو على التطوير التكنولوجي وحده، بل نجحت في جذب استثمارات كبيرة مكنتها من توسيع عمليات البحث والتطوير وبناء البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي 2023، حصلت الشركة على استثمار من شركة Meituan، فيما أشارت تقارير إلى أن تمويلها في إحدى الجولات بلغ مئات الملايين من اليوان، بمشاركة مستثمرين من بينهم Qiming Venture Partners وLegend Capital وTsinghua Holdings.

وبحلول يوليو 2025، كانت الشركة قد جمعت أكثر من 10 مليارات يوان من التمويلات، ووصل تقييمها إلى أكثر من 20 مليار يوان، بعد حصولها على استثمارات جديدة من صناديق مرتبطة بحكومات محلية ومؤسسات استثمارية صينية.

ولم يكن التمويل مجرد أرقام في ميزانية الشركة، بل تحول إلى استثمارات في النماذج والبنية التحتية والمنتجات، مع توسع زيبو في حلول الذكاء الاصطناعي الموجهة للشركات والمستخدمين.

25 مليون مستخدم قبل الإدراج

بحلول منتصف 2025، كانت زيبو قد وصلت إلى أكثر من 25 مليون مستخدم لتطبيقاتها، إلى جانب أكثر من 10 تطبيقات أو عمليات نشر مؤسسية كبرى، كما طورت منصة MaaS لتقديم خدمات الذكاء الاصطناعي للشركات.

وتكشف هذه المرحلة عن التحول في نموذج أعمال الشركة؛ فزيبو لم تعد تركز فقط على بناء نموذج لغوي منافس، وإنما بدأت في تحويل النماذج إلى منتجات وخدمات يمكن استخدامها تجاريا داخل الشركات والأجهزة والتطبيقات.

من الشركة الناشئة إلى البورصة

جاءت إحدى أهم محطات رحلة زيبو في يناير 2026، عندما أدرجت أسهم الشركة في بورصة هونج كونج تحت الاسم القانوني Knowledge Atlas Technology.

وحددت الشركة سعر الطرح عند 116.20 دولار هونج كونجي للسهم، وبلغت قيمتها السوقية عند بداية التداول نحو 55.5 مليار دولار هونج كونجي، بما يعادل نحو 7.1 مليار دولار أمريكي في ذلك الوقت.

وكان الإدراج بمثابة انتقال جديد للشركة من مرحلة تمويل الشركات الناشئة إلى سوق المال، في وقت تتطلب فيه المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي استثمارات ضخمة في الحوسبة ومراكز البيانات وتطوير النماذج.

الإيرادات تقفز 400%

وأظهرت النتائج المالية الأحدث حجم التسارع الذي حققته الشركة.

فخلال النصف الأول من 2026، قفزت إيرادات زيبو بنسبة 400% على أساس سنوي إلى 953.9 مليون يوان، بما يعادل نحو 141.96 مليون دولار، وفقا لبيانات أوردتها رويترز.

ورغم النمو القوي في الإيرادات، سجلت الشركة صافي خسارة قدرها مليارا يوان خلال الفترة، لكنها كانت أقل من خسائر بلغت 2.4 مليار يوان في الفترة نفسها من العام السابق.

وفي المقابل، ارتفعت نفقات البحث والتطوير بنسبة 36.6% إلى 2.1 مليار يوان، في مؤشر على استمرار الشركة في ضخ موارد كبيرة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والمنتجات الجديدة.

الرهان على البرمجة والذكاء الاصطناعي الوكيلي

مع اشتداد المنافسة في السوق الصينية، اتجهت زيبو بصورة أكبر إلى مجالات مثل البرمجة والأمن السيبراني والوكلاء الذكيين، إلى جانب النماذج متعددة الوسائط.

وأطلقت الشركة نماذج متتالية ضمن عائلة GLM، فيما ركزت الإصدارات الأحدث على قدرات الاستدلال والبرمجة وتنفيذ المهام المعقدة.

وفي 2025، أعلنت الشركة عن GLM-4.5 الموجه للاستدلال والبرمجة والوكلاء، ثم GLM-4.6 وGLM-4.7، مع تطوير منتجات مثل AutoGLM للهواتف والتطبيقات الذكية.

وتوضح هذه الاستراتيجية أن المنافسة لم تعد تدور فقط حول إنتاج نموذج محادثة شبيه بالنماذج العالمية، وإنما حول تحويل الذكاء الاصطناعي إلى “وكيل” قادر على تنفيذ سلسلة من المهام، سواء في البرمجة أو البحث أو استخدام التطبيقات والأدوات.

التكنولوجيا المحلية في مواجهة قيود الرقائق

أحد التحديات التي دفعت الشركة إلى التركيز على كفاءة البرمجيات والبنية التحتية المحلية هو القيود المفروضة على وصول الشركات الصينية إلى بعض تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة.

وفي هذا السياق، طورت زيبو نماذج وإصدارات يمكن تشغيلها باستخدام رقائق صينية، مع الاعتماد على تحسين البرمجيات وتوزيع أعباء العمل بهدف التعامل مع قيود القدرة الحوسبية.

وتحول هذا التحدي إلى جزء من استراتيجية الشركة، إذ أصبح تطوير نماذج أكثر كفاءة في استهلاك الحوسبة عاملا مهما في سباق الذكاء الاصطناعي الصيني.

من 2019 إلى شركة بمليارات الدولارات

يمكن تلخيص رحلة زيبو في عدة مراحل متتابعة: جامعة وبحث أكاديمي في 2019، ثم تطوير نماذج GLM، وبعدها إطلاق ChatGLM والوصول إلى ملايين المستخدمين، ثم جذب أكثر من 10 مليارات يوان من التمويلات، وصولا إلى الإدراج في بورصة هونج كونج في 2026.

لكن أرقام النمو لا تعني أن الرحلة خالية من التحديات؛ فالشركة ما زالت تنفق بكثافة على البحث والتطوير وتسجل خسائر، كما تواجه منافسة من شركات صينية مثل Alibaba وByteDance وMoonshot AI وMiniMax، إلى جانب المنافسة الدولية من شركات مثل OpenAI وAnthropic.

وتكشف قصة زيبو في النهاية عن نموذج مختلف لصناعة شركات التكنولوجيا: جامعة توفر المعرفة والباحثين، وشركة تحول الأبحاث إلى منتجات، واستثمارات ضخمة تمول التوسع، ثم سوق المال يوفر منصة جديدة لتمويل المرحلة التالية من النمو.

وفي أحدث خطوة، أعلنت Z.AI في سبتمبر 2026 عن خطط لجمع أكثر من 5 مليارات دولار، من بينها نحو ملياري دولار عبر طرح أسهم و3.01 مليار دولار من سندات قابلة للتحويل، بهدف تمويل التوسع في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والحوسبة وتطوير نماذج جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى