مصر في مرآة التمويل المستدام.. سوق الكربون والحوكمة يعززان خريطة الاقتصاد الأخضر

برزت مصر ضمن خريطة التطورات التنظيمية المرتبطة بالتمويل المستدام وأسواق الكربون، بالتزامن مع توجه عالمي متزايد نحو استخدام الأدوات المالية والأسواق المنظمة لدعم التحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات.
وسلط تقرير “مرصد سياسات التمويل المستدام 2026” الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد” الضوء على التطورات التي تشهدها أسواق التمويل المستدام، في وقت سجلت فيه السياسات المرتبطة بالتمويل المستدام توسعًا عالميًا، مع انتقال التركيز تدريجيًا من وضع القواعد إلى تنفيذها وتفعيل الأسواق والأطر التنظيمية القائمة.
سوق كربون منظم في مصر
وفي هذا السياق، تمثل سوق الكربون الطوعي المنظمة التي أطلقتها الهيئة العامة للرقابة المالية في أغسطس 2024 إحدى أبرز الخطوات التنظيمية المصرية في هذا المجال.
وأعلنت الهيئة آنذاك الانتهاء من المتطلبات التنظيمية لتدشين أول سوق طوعي منظم ومراقب لتسجيل وإصدار وتداول شهادات خفض الانبعاثات الكربونية في مصر وإفريقيا، بالتعاون مع وزارة البيئة، مع إتاحة منصة تداول الشهادات من خلال البورصة المصرية.
ويقوم النظام على تسجيل مشروعات خفض الانبعاثات الكربونية وإصدار شهادات خفض الانبعاثات وتداولها، باعتبار شهادات الكربون أدوات مالية قابلة للتسجيل والتداول وفق الإطار التنظيمي الذي أقرته الدولة.
وتعود الأسس التشريعية للسوق إلى تعديل اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 4664 لسنة 2022، بما سمح باعتبار شهادات خفض الانبعاثات الكربونية أدوات مالية قابلة للتسجيل والتداول في البورصة المصرية.
أولى الصفقات تحرك السوق
ولم يتوقف الأمر عند إنشاء الإطار التنظيمي، إذ شهد أغسطس 2024 تنفيذ 3 عمليات تداول على شهادات خفض الانبعاثات الكربونية، في خطوة استهدفت الانتقال بالسوق من مرحلة الإعداد إلى التداول الفعلي.
وتضمنت العمليات صفقات بين شركات ومشروعات مسجلة، من بينها صفقة بين شركة إيزيس للصناعات الغذائية والجمعية المصرية للزراعة الحيوية، إلى جانب معاملات أخرى شملت شهادات كربونية مرتبطة بمشروعات خفض الانبعاثات.
وفي نوفمبر 2024، أعلنت الهيئة تنفيذ صفقة لبيع 350 شهادة كربون بين اتحاد شركات التأمين ومشروع متكامل بمحافظة المنيا، في إطار جهود تنشيط السوق وتوسيع قاعدة التعاملات على شهادات خفض الانبعاثات.
2025.. انتقال من التأسيس إلى الرقابة
وبالتوازي مع بناء سوق الكربون، واصلت الهيئة تطوير الأطر الرقابية المرتبطة بالتمويل المستدام والقطاعات المالية.
ففي 2025 أصدرت الهيئة أول قواعد حوكمة شاملة وملزمة لشركات التأمين وإعادة التأمين، بموجب القرار رقم 200 لسنة 2025، متضمنة متطلبات تتعلق بالشفافية والنزاهة والمساءلة وإدارة المخاطر وتعارض المصالح والإفصاح والتحول الرقمي والاستدامة.
كما تضمنت القواعد متطلبات لتشكيل مجالس الإدارة واللجان التابعة لها، مع تطبيق شروط التشكيل اعتبارًا من أول انتخابات قادمة لمجلس إدارة كل شركة، إلى جانب منح الشركات فترة لتوفيق أوضاعها وفق القواعد الجديدة.
وكانت الهيئة قد وضعت في يونيو 2025 شروطًا ومعايير لأعضاء مجالس إدارة شركات التأمين وإعادة التأمين والإدارة التنفيذية، مع التركيز على الخبرة والاستقلالية وتجنب تعارض المصالح.
تمويل مستدام يتجاوز الإفصاح
ويأتي التحرك المصري في وقت يشير فيه الأونكتاد إلى تغير طبيعة سياسات التمويل المستدام عالميًا، مع تزايد الاهتمام بأدوات تسعير الكربون والأسواق القائمة على آليات السوق، إلى جانب استمرار أهمية أطر الإفصاح والاستدامة.
وبحسب “مرصد سياسات التمويل المستدام 2026″، أضيفت 143 سياسة جديدة للتمويل المستدام خلال 2025 في 35 اقتصادًا تمثل نحو 93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما استحوذت سياسات الإفصاح عن الاستدامة على 44% من الإجراءات الجديدة، وأضيفت 18 سياسة مرتبطة بتسعير الكربون.
ويشير التقرير إلى أن أسواق الكربون بدأت تنتقل في عدد من الاقتصادات من مرحلة التجارب الأولية إلى أنظمة أكثر تشغيلًا واتساعًا، فيما تظل أمام الاقتصادات النامية تحديات تتعلق بتكاليف الامتثال ونقص البيانات وإمكانية الوصول إلى التمويل المستدام والقدرة على تنفيذ الأطر التنظيمية.
COP27.. من التعهدات إلى الأدوات المالية
وتتصل التطورات التنظيمية المصرية أيضًا بمخرجات مؤتمر الأطراف للمناخ COP27، الذي استضافته مدينة شرم الشيخ في نوفمبر 2022، وشهد اتفاق الدول على إنشاء ترتيبات تمويلية جديدة للتعامل مع الخسائر والأضرار المرتبطة بتغير المناخ، بما شمل إنشاء صندوق مخصص لهذه القضية.
كما شهد المؤتمر تعهدات تجاوزت 230 مليون دولار لصالح صندوق التكيف، بهدف دعم المجتمعات الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ.
ومن هنا، تتجه خريطة التمويل المستدام في مصر إلى مسارات متعددة تشمل سوق الكربون، والحوكمة، والاستدامة، والإفصاح، وإدارة المخاطر، بما يربط بين المتطلبات البيئية والأدوات المالية والتنظيمية.
ومع انتقال سوق الكربون من مرحلة التأسيس إلى توسيع قاعدة المشروعات والتداول، يصبح التحدي الرئيسي هو زيادة عمق السوق وكفاءة آليات التحقق والتسجيل والتداول، بما يسمح بتحويل خفض الانبعاثات من التزام بيئي إلى أداة اقتصادية ومالية قابلة للتوسع.





