هالة السعيد.. من أول عميدة منتخبة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية إلى قيادة ملف التخطيط ومستشارة الجامعة الأمريكية بالقاهرة

من قاعات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، بدأت الدكتورة هالة السعيد رحلة مهنية جمعت بين البحث الأكاديمي والعمل المصرفي والإدارة الحكومية، لتصل إلى مواقع مؤثرة في رسم السياسات الاقتصادية والتنموية في مصر. وعلى مدار سنوات، انتقلت من التدريس والبحث العلمي إلى إدارة مؤسسات التدريب المصرفي، ثم تولت وزارة التخطيط، وشاركت في متابعة ملفات التنمية المستدامة والاستثمار والإصلاح الاقتصادي.
وتكشف مسيرتها عن نموذج لخبيرة اقتصادية اعتمدت على التأهيل العلمي والتدرج المهني، واستطاعت توظيف خبرتها الأكاديمية في مواقع تنفيذية، وصولا إلى تولي مسئوليات حكومية رفيعة، ثم مواصلة العمل مستشارة اقتصادية لرئيس الجمهورية ومستشارة للجامعة الأمريكية بالقاهرة.
البدايات.. الاقتصاد طريقا إلى العمل العام
ولدت هالة حلمي السعيد في 19 مايو 1957، واختارت دراسة الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حيث حصلت على درجة البكالوريوس عام 1978 بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف.
ولم تتوقف رحلتها التعليمية عند مرحلة البكالوريوس؛ إذ حصلت على درجة الماجستير في الاقتصاد عام 1983، ثم نالت درجة الدكتوراه في التخصص نفسه عام 1989 من الجامعة ذاتها.
ومع استكمال دراستها العليا، اتجهت إلى العمل الأكاديمي والبحثي، لتبدأ مرحلة أسهمت في تشكيل خبرتها في تحليل القضايا الاقتصادية والمالية، وفهم العلاقة بين السياسات العامة وأداء المؤسسات والأسواق.
وكان الجمع بين التدريس والبحث العلمي أساسا لمسيرتها اللاحقة، التي انتقلت فيها إلى الإدارة الجامعية ثم المؤسسات المصرفية والحكومة.
الجامعة.. أول عميدة منتخبة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
ارتبط اسم هالة السعيد بجامعة القاهرة لسنوات طويلة، حيث عملت في المجال الأكاديمي وتدرجت في المسئوليات داخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
وفي عام 2011، أصبحت أول عميدة منتخبة للكلية، وهو منصب جمع بين خلفيتها العلمية ومسئوليات الإدارة الجامعية، بما يشمل تطوير العملية التعليمية والبحثية، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الاقتصادية ومراكز الدراسات.
وخلال هذه المرحلة، لم يقتصر دورها على العمل الأكاديمي، بل امتد إلى الإدارة والتخطيط وتطوير الأداء المؤسسي، وهي خبرات استفادت منها لاحقا في المناصب التنفيذية.
كما تولت منصب مساعد رئيس جامعة القاهرة لشئون البحث العلمي والعلاقات الخارجية خلال الفترة من سبتمبر 2013 إلى عام 2016، لتتوسع مسئولياتها في ملفات البحث العلمي والتعاون المؤسسي والعلاقات مع الجهات الخارجية.
ومثلت هذه المرحلة محطة مهمة في انتقالها من دور الأستاذة الجامعية إلى الإدارة على نطاق أوسع، قبل دخولها إلى مواقع المسئولية في القطاع المصرفي والحكومة.
المعهد المصرفي المصري.. تطوير التدريب المالي
قبل توليها حقيبة وزارة التخطيط، خاضت هالة السعيد تجربة مهمة في القطاع المصرفي، حيث شغلت منصب المدير التنفيذي للمعهد المصرفي المصري، وتولت مسئولية إدارته خلال الفترة من 2003 إلى 2011.
وتركز عملها في هذه المرحلة على تطوير التدريب المصرفي والمالي، ورفع كفاءة العاملين في القطاع، وتطبيق ممارسات مهنية تتوافق مع المعايير الدولية.
وسعت إدارة المعهد خلال هذه الفترة إلى تعزيز قدراته التدريبية وتطوير برامجه، حتى أصبح من المؤسسات البارزة في تأهيل الكوادر المصرفية والمالية في مصر والمنطقة.
كما ارتبطت خبرتها المصرفية بعضوية مجلس إدارة البنك المركزي المصري، إلى جانب مسئوليات أخرى في مؤسسات مالية، وهو ما أتاح لها الاقتراب من قضايا السياسة النقدية والتطوير المؤسسي والتمويل.
وكانت هذه الخبرة إحدى الركائز التي دعمت انتقالها لاحقا إلى ملفات التخطيط الاقتصادي، حيث يتطلب إعداد الخطط التنموية فهما للعلاقة بين التمويل والاستثمار وأولويات الإنفاق العام.
من الجامعة والبنوك إلى الحكومة
في 16 فبراير 2017، تولت هالة السعيد منصب وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرتها المهنية داخل الحكومة المصرية.
وجاء اختيارها في وقت كانت فيه الدولة تعمل على تطوير منظومة التخطيط والإدارة العامة، وربط الخطط الحكومية بالأهداف التنموية ومؤشرات الأداء.
وفي ديسمبر 2019، تغير اسم الوزارة واختصاصاتها لتصبح وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، واستمرت السعيد في قيادتها حتى يوليو 2024.
وخلال سنوات توليها الوزارة، أصبحت من أبرز المسئولين عن متابعة ملفات التخطيط طويل الأجل، وتنسيق الأولويات التنموية بين الجهات الحكومية، ومتابعة البرامج المرتبطة بالإصلاح الاقتصادي والتنمية المستدامة.
رؤية مصر 2030.. التخطيط للمستقبل
ارتبطت فترة هالة السعيد في وزارة التخطيط بالإشراف على تطوير وتحديث استراتيجية التنمية المستدامة “رؤية مصر 2030″، التي تستهدف وضع إطار طويل الأجل للأولويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في البلاد.
وتقوم الرؤية على مجموعة من الأهداف، من بينها تحسين جودة الحياة، وتعزيز التنافسية الاقتصادية، وتطوير الخدمات العامة، وتحقيق تنمية أكثر استدامة، مع متابعة مؤشرات الأداء وتنسيق الجهود بين المؤسسات الحكومية وشركاء التنمية.
وشملت مسئوليات الوزارة خلال عهدها إعداد خطط التنمية ومتابعة تنفيذها، والتنسيق مع الوزارات والجهات المختلفة، إلى جانب إعداد تقارير وطنية طوعية بشأن التقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
كما ارتبط عمل الوزارة بجهود توطين أهداف التنمية في المحافظات، بحيث ترتبط الخطط المحلية باحتياجات كل محافظة وأولوياتها، بدلا من الاقتصار على التخطيط المركزي.
ولا يعني وضع الاستراتيجيات وحده تحقق أهدافها، إذ يعتمد التنفيذ على توافر التمويل والقدرات المؤسسية والتنسيق بين الجهات المختلفة، فضلا عن متابعة النتائج الفعلية على أرض الواقع.
الإصلاحات الهيكلية وتنويع الاقتصاد
خلال توليها الوزارة، ارتبط اسم هالة السعيد بالبرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية، الذي أُطلق عام 2021، واستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على النمو من خلال الاهتمام بقطاعات الاقتصاد الحقيقي وتنويع مصادر الإنتاج.
وركز البرنامج على تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاعات الإنتاجية، ورفع كفاءة سوق العمل، ودعم قدرة الاقتصاد على التعامل مع التحديات والمتغيرات المحلية والدولية.
كما شملت الملفات التي تابعتها الوزارة إعداد خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير أدوات المتابعة، وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية وشركاء التنمية.
وفي هذا السياق، كانت الوزارة مسئولة عن صياغة الأطر والخطط التنموية ومتابعة تنفيذها بالتعاون مع المؤسسات المعنية، بينما ارتبطت النتائج الاقتصادية النهائية بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها السياسات النقدية والمالية والظروف الخارجية ومستويات الاستثمار والإنتاج.
صندوق مصر السيادي.. الاستثمار في الأصول
تولت هالة السعيد أيضا رئاسة مجلس إدارة صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية، الذي أُنشئ بهدف المساهمة في استثمار أصول الدولة وتعظيم الاستفادة الاقتصادية منها، من خلال شراكات استثمارية مع القطاع الخاص والمستثمرين المحليين والدوليين.
ويستهدف الصندوق تطوير فرص استثمارية في قطاعات مختلفة، وتحويل الأصول إلى مشروعات قادرة على جذب التمويل وتحقيق عوائد اقتصادية، مع العمل على توسيع مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار.
وتتقاطع هذه المهمة مع خبرة السعيد في التخطيط الاقتصادي، إذ تتطلب إدارة الأصول العامة دراسة الجدوى الاقتصادية، وتقييم الفرص الاستثمارية، وتحديد الشراكات المناسبة، ومراعاة الأهداف التنموية إلى جانب الاعتبارات المالية.
كما تعكس رئاسة الصندوق اتساع نطاق مسئولياتها من وضع الخطط ومتابعة البرامج الحكومية إلى المشاركة في إدارة ملف استثماري يرتبط بأصول الدولة وفرص النمو.
جائزة أفضل وزيرة عربية
في نوفمبر 2020، حصلت هالة السعيد على جائزة أفضل وزيرة عربية ضمن الدورة الأولى من جائزة التميز الحكومي العربي.
وجاء التكريم خلال فترة توليها وزارة التخطيط، التي شهدت متابعة عدد من الملفات المرتبطة برؤية مصر 2030، والتخطيط التنموي، والإصلاحات الهيكلية، وتطوير أدوات قياس الأداء الحكومي.
كما ارتبطت فترة عملها الوزاري بمبادرات وبرامج لبناء القدرات وتمكين المرأة والشباب، إلى جانب إعداد أدلة ومعايير تتعلق بالتخطيط المستجيب للنوع الاجتماعي والاستدامة البيئية.
وتظل الجوائز إحدى صور التقدير المؤسسي للمسيرة المهنية، لكنها لا تغني عن تقييم نتائج السياسات والبرامج وفق مؤشرات واضحة، ومدى انعكاسها على الاقتصاد والخدمات ومستويات معيشة المواطنين.
محطة جديدة.. مستشارة اقتصادية لرئيس الجمهورية
في يوليو 2024، انتهت فترة هالة السعيد في وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، وعُينت مستشارة لرئيس الجمهورية للشئون الاقتصادية.
ومثل انتقالها إلى هذا الدور استمرارا لمشاركتها في الملفات الاقتصادية من موقع استشاري، بعد سنوات من العمل التنفيذي داخل الحكومة.
وتستند خبرتها في هذا المجال إلى خلفية أكاديمية متخصصة في الاقتصاد، وتجربة في الإدارة الجامعية، ومعرفة بملفات القطاع المصرفي، إلى جانب سنوات من متابعة خطط التنمية والإصلاحات الاقتصادية والاستثمار.
ويختلف الدور الاستشاري عن المسئولية الوزارية التنفيذية؛ إذ يتركز على تقديم الرأي والخبرة في الملفات التي تدخل ضمن نطاق التكليف، بينما تتولى الجهات الحكومية المختصة تنفيذ السياسات والبرامج.
الجامعة الأمريكية بالقاهرة.. توظيف الخبرة في التعليم والعلاقات المؤسسية
في أغسطس 2025، أعلنت الجامعة الأمريكية بالقاهرة تعيين هالة السعيد مستشارة للجامعة، لتضيف إلى مسيرتها دورا جديدا يرتبط بالتعليم العالي والعلاقات المؤسسية.
ووفقا لإعلان الجامعة، يستهدف المنصب دعم علاقاتها بالجامعات الوطنية والمجلس الأعلى للجامعات والحكومة المصرية، مستفيدة من خبرة السعيد في الإدارة الأكاديمية والعمل الحكومي والسياسات الاقتصادية.
ويجمع هذا الدور بين محطات متعددة في مسيرتها؛ فقد بدأت أستاذة وباحثة في الاقتصاد، ثم تولت مسئوليات إدارية في جامعة القاهرة، وانتقلت إلى المؤسسات المصرفية والحكومة، قبل العودة إلى مجال التعليم العالي من موقع استشاري.
وتبرز هذه المحطة أهمية الخبرة العابرة للمؤسسات، إذ تتيح للمسئول السابق في العمل العام نقل المعرفة المتراكمة إلى مؤسسات التعليم والبحث والتعاون الأكاديمي.
هالة السعيد.. مسيرة بين المعرفة والإدارة وصناعة السياسات
تعكس تجربة هالة السعيد مسارا مهنيا تدرج من البحث العلمي والتدريس إلى الإدارة الجامعية والعمل المصرفي، ثم تولي مسئولية التخطيط والتنمية الاقتصادية داخل الحكومة.
وكان من أبرز محطات هذا المسار أن أصبحت أول عميدة منتخبة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ثم تولت قيادة وزارة التخطيط لسنوات، وأشرفت على ملفات تتعلق برؤية مصر 2030 والإصلاحات الهيكلية، كما تولت رئاسة صندوق مصر السيادي.
وبعد انتهاء عملها الوزاري، انتقلت إلى دور استشاري اقتصادي لرئيس الجمهورية، ثم تولت منصب مستشارة الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
وتقدم مسيرتها مثالا على توظيف التخصص العلمي في مواقع الإدارة وصناعة السياسات، وعلى أهمية الجمع بين المعرفة الاقتصادية والخبرة المؤسسية في التعامل مع ملفات التنمية والاستثمار والتخطيط طويل الأجل.





